العلاقات الاجتماعية المرهقة تسرع الشيخوخة البيولوجية: دراسة تكشف التفاصيل

كشفت دراسات حديثة عن أن التوتر الناتج عن العلاقات المرهقة لا يقتصر على الجانب النفسي، بل يمتد ليشمل مؤشرات بيولوجية قد تؤثر بشكل كبير في العمر والصحة العامة.
وفي خضم الحياة اليومية، يمر بعض الأشخاص مرور الكرام، بينما يثقل آخرون الأيام بتوتر مستمر. وبين هذا وذاك، تبرز العلاقات الإنسانية كأحد أهم العوامل المحددة للصحة النفسية والجسدية، ولكن ماذا لو تجاوز تأثيرها الجانب المعنوي ليشمل الجانب البيولوجي أيضا؟
هذا ما أشارت اليه تقارير حديثة نشرتها صحيفة "الواشنطن بوست"، استنادا الى دراسة علمية بينت أن التعامل المستمر مع أشخاص "مرهقين" قد يسرع من عملية الشيخوخة داخل الجسم، حتى على مستوى الحمض النووي.
كما أوضحت دراسة نشرت في مجلة "بروسيدنغز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز"، وهي من أعرق المجلات العلمية في الولايات المتحدة، أن الأشخاص "المرهقين" هم الذين يجعلون الحياة أكثر صعوبة من خلال النقد المستمر، أو إثارة التوتر، أو خلق المشاكل اليومية.
وبحسب ما نقلته "الواشنطن بوست"، اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات أكثر من 2000 شخص، حيث طلب منهم تقييم علاقاتهم الاجتماعية، بالإضافة إلى تقديم عينات بيولوجية لتحليل مؤشرات الشيخوخة على مستوى الحمض النووي.
وأظهرت النتائج أن وجود شخص "مرهق" إضافي في حياة الفرد يرتبط بزيادة معدل الشيخوخة البيولوجية بنسبة تقارب 1.5%. ورغم أن هذا الرقم قد يبدو محدودا، إلا أنه يتراكم مع مرور الوقت ليترك أثرا ملموسا على الصحة.
والشيخوخة لا تقاس دائما بعدد السنوات، بل بما يعرف بـ"الشيخوخة البيولوجية"، وهو مقياس يعكس الحالة الفعلية لخلايا الجسم. وقد أظهرت الدراسة أن العلاقات السلبية يمكن أن ترفع هذا المؤشر، مما يعني أن الجسم "يشيخ" أسرع من عمره الزمني عندما يكون محاطا بعلاقات مرهقة.
وتضع هذه العلاقات الإنسان تحت "ضغوط مزمنة"، مما يبقي الجسم في حالة استنفار مستمر، وهذا يؤدي إلى تغيرات في التعبير الجيني، أي في طريقة عمل الجينات داخل الخلايا، مما يؤثر على وظائف الجسم وسلوكه. كما يسهم في زيادة مؤشرات الالتهاب في الدم، وربما يزيد من خطر الإصابة بأمراض مزمنة، وفقا لما أوردته منصة "ببمد" في تقارير طبية متخصصة.
لطالما ربطت الدراسات بين التوتر والصحة، ولكن الجديد هنا هو تسليط الضوء على "التوتر الاجتماعي" تحديدا، أي التوتر الناتج عن العلاقات اليومية.
فالعلاقات الإيجابية غالبا ما ترتبط بانخفاض معدلات الوفاة وتحسن الصحة العامة، بينما تعمل العلاقات السلبية في الاتجاه المعاكس، وتكمن المشكلة في استمرارية التوتر وليس في التوتر العابر، فالتعرض المتكرر لمواقف سلبية مع الأشخاص أنفسهم يحول التوتر إلى حالة مزمنة، وهو ما ينعكس مباشرة على الجسم، بحسب دراسات نشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم.
وكشفت نتائج الدراسات أن الأشخاص الأكثر تأثيرا ليسوا دائما غرباء أو زملاء عمل، بل غالبا ما ينتمون إلى الدائرة الأقرب، أي العائلة.
وبحسب "الواشنطن بوست"، كان الآباء والأبناء من بين أكثر المصادر شيوعا لما يسمى "الإرهاق الاجتماعي"، يليهم زملاء العمل أو من يشاركوننا المساحات اليومية، ويرى الباحثون أن ذلك يرتبط بصعوبة الانفصال عن هذه العلاقات أو إعادة تعريفها، مقارنة بعلاقات يمكن إنهاؤها بسهولة أكبر.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الفئات الأكثر قابلية للتأثر بالعلاقات المرهقة هن النساء، والأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية، ومن لديهم تجارب طفولة صعبة، إذ قد تكون هذه الفئات أكثر حساسية للتوتر وأكثر تأثرا بالعلاقات المحيطة.
ورغم وضوح التأثير السلبي، لا تقدم الدراسة حلولا قاطعة بقدر ما تطرح تساؤلات واقعية، فليس من السهل دائما التخلص من العلاقات المرهقة، خاصة حين تكون عائلية أو مرتبطة بالعمل، لكنها تشير إلى استراتيجيات للتقليل من الأثر، مثل وضع حدود واضحة في العلاقات، وتقليل الوقت مع الأشخاص المرهقين قدر الإمكان، وتعزيز العلاقات الإيجابية الداعمة، واللجوء إلى الدعم النفسي عند الحاجة.
وفي المقابل، لا تعد العزلة الاجتماعية حلا، إذ ترتبط هي الأخرى بمخاطر صحية كبيرة، لذلك يبقى التحدي في تحقيق توازن بين الحفاظ على شبكة اجتماعية داعمة وتخفيف أثر العلاقات السلبية قدر المستطاع.
وتكشف هذه المعطيات عن حقيقة تبدو بديهية، ولكنها لم تكن مثبتة علميا بهذا الوضوح: العلاقات التي نعيشها يوميا لا تؤثر فقط في حالتنا النفسية، بل تمتد آثارها إلى عمق الجسد.
وبينما لا يمكن دائما اختيار كل من يحيط بنا، يبقى إدراك هذا التأثير خطوة أولى نحو إعادة تقييم علاقاتنا، ليس فقط بحثا عن الراحة، بل حفاظا على الصحة أيضا.







