تداعيات الصراع الاقليمي تلقي بظلالها على تجارة المعادن الثمينة في الخليج

تلقي التوترات الإقليمية بظلالها على حركة التجارة العالمية، حيث يمتد تأثير الصراع ليشمل قطاعات حيوية تتجاوز النفط والغاز، ليصل إلى تجارة الذهب والفضة والمعادن الثمينة التي تعتمد على سلاسة الملاحة الجوية والبحرية.
ومع تصاعد حدة التوترات في منطقة الخليج، بدأت تظهر بوادر تشير إلى تعثر في تدفقات المعادن الثمينة، التي تعتبر المنطقة مركزا عالميا لتجارتها، فالمعادن الثمينة تتطلب منظومة متكاملة تشمل الشحن الجوي والتأمين والتمويل والتكرير وإعادة التصدير، وأي خلل في هذه المنظومة يؤدي إلى اختناقات في حركة التجارة العالمية.
وكشفت تقارير إعلامية عن أن تعطل الرحلات الجوية من وإلى الإمارات أدى إلى توقف في شحنات الذهب والفضة عبر دبي، مما اضطر بعض المتعاملين إلى بيع الذهب بأسعار أقل من الأسعار العالمية.
كما أشارت التقارير إلى أن الذهب المتداول في دبي بيع بخصومات تراوحت بين 10 دولارات و30 دولارا للأوقية مقارنة بلندن، وذلك بسبب صعوبة نقل الشحنات إلى مراكز التكرير في سويسرا والهند وهونغ كونغ.
وأظهرت بيانات تتبع الطيران تعطل آلاف الرحلات الجوية عالميا نتيجة للتوترات الإقليمية، مما أثر على نقل المعادن الثمينة التي تعتمد على الشحن في عنابر طائرات الركاب نظرا لقيمتها العالية.
ووفقا لتحليل اقتصادي، فإن المخاطر الاقتصادية لا تقتصر على النفط والغاز، بل تشمل أيضا نحو 7% من صادرات الأسمدة العالمية، ونحو 6% من المعادن الثمينة، و5.3% من الألومنيوم ومنتجاته، إضافة إلى 4.4% من الأسمنت والمعادن الأخرى التي تشحن عبر موانئ الخليج.
ومع تنامي دور دول الخليج في التجارة الدولية خلال العقدين الأخيرين، أصبحت المنطقة مركزا عالميا لتجارة الذهب والمعادن الثمينة، وتبرز الإمارات العربية المتحدة كمركز عالمي رئيسي في هذا المجال.
وبحسب مركز دبي للسلع المتعددة، بلغت تجارة الإمارات الخارجية في الذهب والمعادن الثمينة نحو 625 مليار درهم في عام 2024، بزيادة تقارب 27% على أساس سنوي، ما يجعل دبي ثاني أكبر مركز عالمي لتجارة الذهب المادي بعد سويسرا، كما يضم المركز أكثر من 1500 شركة تعمل في تجارة الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة.
وتظهر بيانات مصرف الإمارات المركزي أهمية الذهب في التجارة غير النفطية للدولة، حيث شكل 48.6% من الصادرات غير النفطية في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، بينما أضافت المجوهرات نحو 4.6% أخرى، ليشكل الذهب والمجوهرات معا أكثر من نصف الصادرات غير النفطية الإماراتية.
كما تشير بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي إلى أن صادرات دول الخليج المرتبطة بالأحجار والمعادن الثمينة واللؤلؤ بلغت في مجموعها نحو 80 مليار دولار في عام 2024، مقابل واردات تقارب 76.9 مليار دولار.
وتستحوذ الإمارات على الحصة الأكبر من هذه التجارة، إذ بلغت صادراتها في هذه الفئة نحو 76.1 مليار دولار ووارداتها 62.3 مليار دولار، كما صدرت الدولة نحو 58.7 مليار دولار من الذهب و4.92 مليارات دولار من المجوهرات في العام نفسه.
أما بقية دول الخليج، فتظل مساهمتها أقل حجما، فقد بلغت صادرات السعودية من المعادن الثمينة نحو 2.73 مليار دولار، وقطر 526 مليون دولار، والبحرين 374 مليون دولار، والكويت 292 مليون دولار، بينما بقيت صادرات عُمان من خامات المعادن الثمينة محدودة للغاية.
وعلى مستوى الحصة من التجارة العالمية، تمثل الإمارات وحدها نحو 8.35% من الصادرات العالمية في فئة الأحجار والمعادن الثمينة واللؤلؤ، بينما تبلغ حصة السعودية نحو 0.3%، وقطر 0.058%، والبحرين 0.041%، والكويت 0.032%، وباحتساب هذه النسب على نحو تقريبي، يقترب الخليج من نحو 9% من تدفقات التصدير العالمية المرتبطة بالمعادن الثمينة.
في المقابل تتجه السعودية إلى توسيع حضورها في الصناعة المعدنية ضمن إستراتيجية تنويع الاقتصاد، فقد أعلنت المملكة عام 2024 توقيع اتفاقيات استثمارية في قطاع التعدين والمعادن بقيمة 9.32 مليارات دولار، تشمل مشاريع للصهر والتكرير ومعالجة المعادن المختلفة.
أما قطر فتتحرك على خط الاستثمار في سلاسل إمداد المعادن الحيوية، إذ أعلنت هيئة الاستثمار القطرية ضخ 180 مليون دولار في شركة "تك مِت" المتخصصة في تطوير مشروعات المعادن الحيوية والمعادن الأرضية النادرة، في خطوة تهدف إلى تعزيز حضورها في سلاسل التوريد المرتبطة بالطاقة النظيفة.
ورغم التحديات التي تفرضها التوترات الإقليمية، لا يزال الخليج يحتفظ بموقع محوري في تجارة المعادن الثمينة العالمية، إذ تعتمد الأسواق الدولية على البنية التحتية المتطورة في مراكز مثل دبي، التي تضم مصافي تكرير وأسواقا حرة وشبكات تمويل وتخزين واسعة.
غير أن التوترات أظهرت أن هذه المكانة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الجيوسياسي وسلاسة حركة النقل، فحين تتعطل الطائرات أو تضطرب الممرات البحرية، تصبح حتى أكبر مراكز تجارة الذهب في العالم معرضة لاختناقات مؤقتة.
ومن هذا المنظور، فإن تأثير التوترات في الخليج على تجارة المعادن النفيسة لا يقتصر على تقلبات الأسعار أو تأخير الشحنات، بل يمتد إلى إعادة تسعير المخاطر اللوجستية في أحد أهم مفاصل التجارة العالمية لهذه المعادن.







