ازمة الدواء في ليبيا: مليارات مهدرة ومرضى ينتظرون العلاج

يعاني القطاع الصحي في ليبيا من فجوة كبيرة بين حجم الانفاق المالي الضخم وبين الواقع الميداني الذي يواجه المرضى حيث تتبخر المليارات في صفقات توريد لا تضمن وصول الدواء لمستحقيه في الوقت المناسب. واظهرت تقارير رقابية حديثة وجود خلل هيكلي في منظومة شراء وتخزين الادوية مما ادى الى تراكم كميات كبيرة من العلاجات داخل المخازن حتى انتهت صلاحيتها بينما يقف المريض عاجزا امام نقص حاد في المستلزمات الطبية الاساسية.
واوضحت البيانات ان الدولة الليبية انفقت مبالغ طائلة وصلت الى مليارات الدنانير خلال السنوات الماضية لتوفير احتياجات القطاع العام الا ان تشتت جهات الشراء وتعددها ادى الى اضعاف القدرة التفاوضية للدولة وبعثرة الموارد المالية. وبينت المراجعات ان تقدير الاحتياجات كان يتم بطرق غير دقيقة تعتمد على زيادات تقديرية بعيدة عن الاستهلاك الفعلي مما تسبب في تكدس اصناف غير ضرورية مقابل نقص فادح في اصناف حيوية اخرى.
واكدت التقارير ان بعض الاعتمادات المستندية شهدت عمليات الغاء بعد الترسية او ظلت معلقة دون تنفيذ فعلي مما يعكس حالة من التخبط الاداري في ادارة ملف الدواء. واضافت المراجعة ان غياب آلية وطنية للتخلص من الادوية منتهية الصلاحية ادى الى بقاء كميات كبيرة في المخازن تعود لسنوات طويلة مما يمثل هدرا فادحا للمال العام الذي كان يمكن استثماره في تحسين الخدمات الصحية.
وشدد الاطباء والخبراء في القطاع الصحي على ان هذه الازمة لا تقتصر على الارقام بل تمتد لتصبح خطرا يهدد حياة المرضى الذين يضطرون لتأجيل عملياتهم الجراحية او شرائها من حسابهم الخاص. واوضح الدكتور عبد الحفيظ الجهاني ان النقص يشمل مستلزمات دقيقة مثل ادوية الكلى والاورام وخيوط الجراحة واجهزة التنفس مما يضع الفرق الطبية في مواقف صعبة تضطرهم لالغاء العمليات في اللحظات الاخيرة.
واشار المختصون الى ان اللجوء الى مصادر غير موثوقة لتوفير الدواء يفتح الباب امام مخاطر تتعلق بسلامة وجودة هذه الادوية خاصة تلك التي تتطلب شروط تخزين وتبريد خاصة لا تتوفر في قنوات التوزيع غير الرسمية. وبينت الشهادات الميدانية ان المرضى هم الضحية الاولى لهذا التخبط حيث يضطرون لبيع ممتلكاتهم لتوفير ثمن العلاج في ظل غياب التغطية الصحية الفعالة.
واكدت الجهات الرقابية ضرورة تعزيز الشراء المركزي وتطوير نظام رقمي لتتبع الادوية لضمان وصولها للمستشفيات بدلا من تحولها الى مخزون راكد او مواد تالفة. واضافت ان الخطوات المعلنة مؤخرا من قبل جهاز الامداد الطبي تبقى تحت الاختبار في انتظار تنفيذ حقيقي ينهي معاناة المرضى ويضبط الانفاق العام وفق معايير الشفافية والمساءلة.







