شهادات من قلب الجحيم: كيف يواجه الناجون والمسعفون الموت في غزة؟

يعيش سكان غزة تجربة استثنائية مع الموت الذي يلاحقهم في كل تفاصيل يومهم، حيث تحولت الشوارع والمنازل إلى مساحات مفتوحة على الفقد، ويبرز في هذا السياق المسعف عبد القادر احمد الذي وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع اشلاء عائلته تحت الركام، مبينا ان اللحظات الاولى للبحث عن ذويه كانت الاختبار الاصعب في مسيرته المهنية والانسانية، واظهرت هذه التجربة المريرة صراعه النفسي في محاولة الحفاظ على كرامة احبائه وتكفينهم وسط دمار شامل لا يرحم.
واضاف المسعف انه اضطر لتجميد مشاعره والتعامل مع جثامين اقاربه كمسعف محترف ليتمكن من اتمام مهمة الانتشال والتكفين، موضحا ان تلك المشاهد المروعة لم تفارق ذاكرته حتى بعد مرور سنوات، واكد ان جغرافيا المدينة اصبحت محفورة في وعيه كخارطة للموت والحياة، وكشفت قصته حجم المأساة التي يعيشها الطواقم الطبية الذين يضطرون للعمل تحت ضغط نفسي هائل لا يتوقف عند حدود المستشفيات.
وبين المكفنون الذين يعملون في غرف الموت ان تعاملهم اليومي مع الجثامين لا يعني تبلد الاحساس، موضحين ان كل شهيد يترك اثرا عميقا في قلوبهم، واشاروا الى انهم يعودون الى منازلهم محملين بصور الضحايا واصوات استغاثاتهم، مؤكدين ان التوفيق بين دورهم كآباء وبين مواجهة الموت كمهنة هو التحدي الاكبر الذي يواجهونه في حياتهم اليومية.
واكد الاطباء ورؤساء الاقسام الطبية ان نقص الامكانيات وضعهم امام خيارات مستحيلة، حيث وصف الدكتور معتز حرارة مشاعر العجز التي تصيب الطبيب حين يضطر لترك مصاب يموت لعدم توفر العلاج، موضحا ان ذاكرة الطواقم الطبية مثقلة بقصص انسانية مؤلمة، مثل ولادة جنين من رحم امه الشهيدة دون وجود حضانة قادرة على انقاذه، واشار الى انهم يحاولون مقاومة الاعتياد على الموت عبر استحضار الروابط الانسانية مع كل مريض.
واوضحت الممرضة شروق الرنتيسي ان الموت في غزة له رائحة مميزة تلاحق الناجين، مؤكدة ان التراكم الهائل للاصابات والاشلاء جعلهم في حالة استنفار دائم، وكشفت ان الصراع النفسي بين الضعف البشري وضرورة الاستمرار في العمل كان سيد الموقف طوال فترة الحصار، حيث فقدت زملاء لها في ظروف قاسية، واظهرت ان هذه التجارب خلفت ندوبا لا تندمل في نفوس من شهدوا المجازر.
وذكر الاختصاصي النفسي سعيد الكحلوت ان الانسان لا يعتاد الموت بالمعنى الحرفي، بل يتعلم كيف يمر بجانبه ليستطيع البقاء حيا، موضحا ان هذه القدرة على التجاوز هي آلية دفاعية للنفس للحفاظ على الوظائف الحيوية، واكد ان التعافي لا يعني النسيان، بل يعني ان تصبح الحرب جزءا من قصة الانسان في الماضي، بدلا من ان تظل محتلة لكل تفاصيل حاضره ومستقبله.







