تدقيق جنائي يكشف الحقائق في ملف الكهرباء اللبناني

نقلت الحكومة اللبنانية ملف وزارة الطاقة والمياه إلى الدوائر القانونية لحسم الجدل حول صرف أكثر من 40 مليار دولار على الكهرباء خلال العقدين الماضيين. فقد قرر مجلس الوزراء وضع ملف استئجار بواخر توليد الطاقة تحت مجهر التدقيق الجنائي. وتعتبر هذه الخطوة جزءاً من جهود الحكومة لمكافحة الفساد والإصلاح.
وأضاف رئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء، أن المجلس أقر الاعتماد المالي الذي طلبته وزارة الطاقة لإعداد دفتر شروط يتيح تكليف جهة مختصة بإجراء تدقيق جنائي في ملف بواخر إنتاج الكهرباء. وأوضح أن إعداد هذا الدفتر أُنجز ووصل إلى مراحله النهائية.
بينما أوضح سلام أن دفتر الشروط يتكون من جزئين: الأول عام ويمكن اعتماده لإجراء تدقيق جنائي في أي وزارة، والثاني خاص بملف بواخر إنتاج الكهرباء التي تم استئجارها بين عامي 2012 و2021. وتعتبر هذه الخطوة نموذجاً يمكن أن تستفيد منه وزارات أخرى تشوب أداءها شبهات هدر أو فساد.
وشدد سلام على أن اعتماد هذا المسار يندرج في إطار مواصلة الإصلاح واحترام مبدأ الشفافية وملاحقة مواقع الهدر والفساد داخل الإدارات العامة. ويحمل هذا إشارة واضحة إلى أن الحكومة تريد تحويل التدقيق الجنائي من إجراء استثنائي إلى آلية دائمة للمحاسبة تشمل كل الوزارات.
وبينما يستند هذا الإجراء إلى عمليات تدقيق سبق أن أجراها وزير الطاقة والمياه، جو صدي، في بعض الإدارات التابعة لوزارته، فقد كشف مصدر وزاري أن دفتر الشروط الخاص بإطلاق إجراءات التدقيق الجنائي في ملف البواخر قد أُنجز بالكامل. وأوضح أن إطلاق المناقصة بات مرتبطاً فقط بتخصيص وزارة المال المبلغ اللازم، على أن تبدأ المناقصة فور تأمين التمويل.
وأكد المصدر أن دفتر الشروط يتضمن شقين أساسيين: الأول يتعلق بالتدقيق في ملف بواخر الطاقة بكل جوانبه المالية والتعاقدية، والثاني يحدد الإجراءات وآليات التلزيم والمناقصة لضمان شفافية العملية وتأمين المعايير القانونية والإدارية المطلوبة.
وأشار المصدر إلى أن مسار الإصلاح في وزارة الطاقة بدأ فعلياً مع تعيين مجالس إدارة جديدة في المؤسسات التابعة للوزارة. لكنه اعتبر أن الانتقال إلى مرحلة التدقيق الجنائي يمثل خطوة أعلى حساسية لأنها تفتح الباب أمام مراجعة سنوات من العقود والالتزامات المالية التي أحاطت بملف البواخر.
وتعكس هذه الخطوة تصفية حسابات مع الحقبة السابقة التي تولى فيها وزراء من التيار الوطني الحر مهام وزارة الطاقة. وأوضح المصدر أن وزير الطاقة الحالي، المحسوب على حزب القوات اللبنانية، عرض أمام مجلس الوزراء اقتراحاً بإجراء التدقيق الجنائي استناداً إلى ملف أولي يتضمن معطيات وشبهات مالية وتعاقدية مرتبطة ببواخر إنتاج الكهرباء.
وأكد أن رئيس الحكومة نواف سلام شجع هذا التوجه بقوة، مشيراً إلى أن أي إصلاح جدي لا يمكن أن يتحقق من دون محاسبة. وأن التدقيق الجنائي يشكل أحد المفاتيح الأساسية لاستعادة ثقة اللبنانيين بالدولة ومؤسساتها.
وأوضح أن إعداد دفتر الشروط جرى بالتنسيق الكامل مع هيئة الشراء العام، التي اطلعت على جميع تفاصيله وقدمت ملاحظاتها بشأن آلية المناقصة والمعايير الواجب اعتمادها لتحقيق الشفافية.
ويفترض أن يستفيد هذا التدبير من النموذج الذي أُعدّ للتشجيع على المحاسبة في المؤسسات التي تحيط بها علامات استفهام. لكن مصدراً سياسياً استبعد أن يشمل التدقيق الجنائي وزارات أخرى، مؤكداً أن ما يعوق ذلك هو أن هذه الوزارات لا تزال في عهدة الفريق نفسه الذي كان يتولاها في السابق.
وشدد على ضرورة كسر حاجز الخوف في كل إدارات الدولة، ليكون هذا اختباراً حقيقياً لجدية الحكومة في الانتقال من شعار مكافحة الفساد إلى مرحلة المحاسبة الفعلية. ومع ذلك، لا تزال الطريق طويلة قبل الوصول إلى الكشف عن الحقائق وترتيب المسؤوليات.







