تداعيات الانقسام النقدي في السودان وتأثيراته على الاقتصاد

يشهد السودان تحولاً ملحوظاً في نظامه النقدي، حيث بات الانقسام النقدي ظاهرة متزايدة تعكس تضارب الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد. فقد تم تداول أوراق نقدية جديدة من فئتي 1000 و500 جنيه، وهو الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول مستقبل العملة الوطنية وقدرة البنك المركزي على السيطرة على الكتلة النقدية.
وأوضح الخبراء أن الحكومة المتحالفة مع قوات الدعم السريع، التي تتخذ من نيالا مقراً لها، قد سمحت بتداول فئات ورقية تحمل توقيع محافظ بنك السودان المركزي السابق حسين يحيى جنقول. جاء هذا بعد إعادة تعيينه في منصبه، مما يعكس حالة من الفوضى النقدية في البلاد.
وشدد الخبراء على أن حظر تداول فئات أخرى موقعة من المحافظ الحالي برعي الصديق يعكس الانقسام المستمر في النظام المالي. وأكد رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي أن حكومته تسعى لخلق نظام مالي متكامل، لكن هذا الطموح يواجه تحديات كبيرة في ظل الأزمات الحالية.
وكشفت مصادر أن تداول الأوراق النقدية الجديدة في مناطق قوات الدعم السريع ليس بالأمر الجديد، حيث تطرح تساؤلات حول مصدر هذه الأوراق وما إذا كانت قد طُبعت حديثاً أو كانت مخزنة سابقاً. وبينما يعتقد بعض المختصين أن المخاطر تكمن في الجهة التي تتحكم في إصدار الأوراق النقدية، فإن تأثير ذلك على الثقة في العملة الوطنية يبقى مقلقاً.
وأشار الاقتصاديون إلى أن فعالية السياسات النقدية تعتمد على قدرة البنك المركزي على بسط ولايته. وفي حال استمرار تداول كتل نقدية خارج هذه الولاية، فإن قياس المعروض النقدي يصبح أكثر تعقيداً، مما يزيد من الضغوط على سعر الصرف ويعقد إدارة السيولة.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن بنك السودان المركزي، فإن معدل المعروض النقدي بلغ 27.3 في المائة، مما يعكس تحديات كبيرة في إدارة السيولة. ويعتبر تداول أوراق نقدية في مناطق قوات الدعم السريع عاملاً معقداً يزيد من صعوبة قياس الكتلة النقدية ويضعف فعالية السياسات النقدية.
وفيما يتعلق بالاقتصاد غير الرسمي، تشير الدراسات إلى أنه يمثل نحو 60 في المائة من النشاط الاقتصادي في السودان، مما يعكس أهمية التعاملات النقدية التقليدية. وعلى الرغم من ظهور بعض التطبيقات المصرفية الحديثة، إلا أن الشمول المالي لا يزال دون المستوى المطلوب.
وبحسب رأي الخبراء، فإن استمرار الوضع الحالي قد يقود البلاد نحو نظام مصرفي مزدوج، حيث يمكن أن تتشكل منظومة مالية موازية تؤدي الوظائف المصرفية خارج الإطار الرسمي. وفي ظل الظروف الراهنة، لا يبدو أن هناك إمكانية لوجود بنك مركزي موازٍ يمارس وظائفه بشكل كامل.
وحذر الاقتصاديون من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية، مما يعكس ضرورة الوصول إلى تسويات سياسية لتحقيق الاستقرار. وقد أشار وزير المالية السابق إبراهيم البدوي إلى أن الوضع الحالي هو نتيجة طبيعية لاستمرار الحرب وعدم وجود انتصارات حاسمة.
وفي خضم هذه الأزمات، أكد رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي أن حكومته تسعى لتلبية احتياجات المواطنين وتوفير السيولة، رغم الشكاوى المتزايدة من صعوبات الحصول على الخدمات المصرفية. وأشار إلى أن جميع المسائل المتعلقة بطباعة العملة تدخل ضمن اختصاصات الجهات الفنية المختصة.
كما تم الإعلان عن إنشاء مجلس للعملة الانتقالي لتنظيم الشؤون النقدية، ويعتبر هذا خطوة نحو تعزيز النظام المالي على الرغم من التحديات الحالية. ومع ذلك، فإن الصراع المستمر قد يعيق تنفيذ هذه السياسات ويزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.







