مهنة الصيد في غزة تعود من بين أنقاض الحرب

تحت غطاء من النايلون السميك، تتعالى أصوات المثاقب الكهربائية وآلات القص في ورشة بسيطة قرب شاطئ غزة. هنا، تتجمع هياكل قوارب صغيرة قيد الإنشاء، بعضها مقلوب والآخر يقترب من الشكل النهائي، بينما يتحرك العمال بحذر وسط هذه المساحة الضيقة.
في هذا المكان، يعمل حرفيون وصيادون على استعادة الحياة لقطاع الصيد الذي تضرر بشدة جراء الحرب. لا تُصنع القوارب هنا من مواد جديدة، بل تُعيد الحياة إلى بقايا الخشب التي خلفها الدمار. أخشاب انتشلت من تحت الأنقاض وألواح كانت أبواباً ونوافذ لعائلات فقدت منازلها.
يتواجد في الورشة مصطفى مقداد، الحرفي الذي يملكها، وهو يعمل بجد على إعادة بناء قوارب جديدة. يقول مقداد إنه تعلم هذه الحرفة من عائلته التي توارثتها عبر الأجيال، ويعتبرها جزءاً من تاريخ عائلته المرتبط بالبحر.
لكن الحرب لم تترك له مجالاً سهلاً. فقد دمرت معظم القوارب، وعندما عاد مقداد إلى غزة بعد فترة النزوح، وجد كل شيء قد تغير. يقول: "عندما عدنا، لم نجد سوى القوارب المدمرة أو الغارقة، ولم يبقَ أي قارب صالح للصيد".
اليوم، يركز مقداد جهوده على بناء قوارب جديدة لترميم تلك التي لا تزال قابلة للإصلاح. لكنه يعاني من نقص حاد في المواد الخام، حيث أصبحت الأخشاب والألياف الزجاجية شبه معدومة. يقول مقداد: "الناس الذين يريدون إصلاح قواربهم يواجهون صعوبة كبيرة في الحصول على المواد اللازمة".
وفي الجهة الأخرى من الورشة، يعمل أحد العمال على تنعيم السطح الداخلي لقارب مصنوع من الألياف الزجاجية، بينما يشير مقداد إلى أن الألياف كانت متوفرة قبل الحرب، ولكنها الآن شحيحة ونادرة.
تتجاوز الأزمة نقص المواد، فحتى الأدوات المستخدمة في الورشة أصبحت قديمة وغير فعالة. ويحتاج تشغيل آلات النجارة إلى تيار كهربائي مرتفع التكلفة، مما يزيد من تعقيد الوضع.
يستخدم مقداد الخشب الذي انتشل من ركام المنازل لبناء القوارب، ويقول: "هذا الخشب يحتاج إلى كميات كبيرة، لكن الحصول عليها أصبح تحدياً يومياً".
الحرب أثرت بشكل كبير على الصيادين أيضاً. يقول مقداد إن الصيادين يواجهون خطر التعرض لإطلاق النار من الزوارق العسكرية، مما يجعل مهنة الصيد أكثر صعوبة. ويضيف: "إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فلن يتبقى لنا أي عمل".
التحديات لا تتوقف هنا، فالصيادون لم يعد بإمكانهم الإبحار بعيداً عن الشاطئ، ويقتصر نشاطهم على كيلومتر واحد فقط. هذا الوضع يعكس واقعاً مريراً يعيشه قطاع الصيد في غزة، حيث تراجعت كميات الأسماك بشكل كبير.
يتمثل المشهد في قوارب تُبنى من بين الأنقاض، وحرفيون يحاولون إنقاذ مهنتهم، وصيادون ينتظرون العودة إلى البحر. يقول زكريا بكر، مسؤول لجان الصيادين، إن قطاع الصيد كان يضم قبل الحرب نحو ألف مركب، بينما يعتمد اليوم على وسائل بدائية. الإنتاج السمكي انخفض بشكل كبير بعد أن كان يتراوح بين 15 إلى 20 طناً يومياً، ليصل الآن إلى حوالي 10 أطنان شهرياً.
الحرب أدت إلى مقتل العديد من الصيادين، حيث فقد أكثر من 232 صياداً حياتهم، بينما لا يزال العديد منهم في السجون. كل هذه المعاناة لم تمنع مقداد وأمثاله من الصمود في وجه التحديات، آملين في إعادة بناء مستقبل أفضل لقطاع الصيد في غزة.







