حركات الجسد: هل هي مجرد تململ أم وسيلة للتنظيم الذاتي؟

في سياق الاجتماعات أو أثناء الانتظار، قد تجد نفسك تمارس حركات غير واعية مثل الضغط على القلم أو هز القدم. هذه التصرفات عادة ما تُعتبر علامات توتر أو ملل، لكن علماء النفس ينظرون إليها بشكل مختلف، حيث يرون فيها وسيلة للجسد لتنظيم نفسه.
كشفت دراسة حديثة أن الحركات الصغيرة مثل هز القدم أو النقر على الطاولة يمكن تفسيرها كنوع من "التفريغ الحسي الحركي". وهذا يعني استخدام محفزات جسدية بسيطة لمساعدة الجهاز العصبي في تنظيم التوتر والحفاظ على اليقظة، بالإضافة إلى تخفيف آثار الجلوس لفترات طويلة.
ويوضح جيمس ليفين، أستاذ الطب في مايو كلينك، أن هذه الحركات تعتبر "حركة إيقاعية مبرمجة عصبيا"، وهي تعبير عن دافع فطري للحركة. بمعنى آخر، لا يتحرك الجسم عبثا، بل يسعى أحيانا لإعادة ضبط نفسه من الداخل.
تفسر بعض النظريات هذه الظاهرة بأن الدماغ غير قادر على التعامل مع عدد غير محدود من الإشارات في الوقت نفسه. عندما ينشغل جزء من الانتباه بإحساس بسيط ومتكرر، مثل الضغط على قلم أو تحريك القدم بإيقاع ثابت، يضعف نفوذ الأفكار القلقة التي تحاول الاستحواذ على الوعي.
ويشير موقع كليفلاند كلينك إلى أن بعض الممارسات الحسية يمكن أن تساعد في توجيه الانتباه إلى شيء ملموس، مما يساعد على كسر دوامة الأفكار المزعجة وإعادة الشخص إلى اللحظة الراهنة.
من جهة أخرى، يعتبر البعض هذه الحركات وسيلة لتنظيم الاستثارة العصبية. ففي حالات القلق، لا يكون العقل وحده في حالة ضغط، بل يكون الجسم أيضا في حالة استنفار. في هذه اللحظة، قد لا تكون النصيحة التقليدية "اهدأ" كافية، لأن الجهاز العصبي يحتاج إلى إشارة جسدية وليس مجرد أمر ذهني.
لذا، تنتشر تقنيات تعرف باسم "استعادة الحضور"، والتي تعتمد على وسائل بسيطة لإعادة الشخص إلى اللحظة الحاضرة عند شعوره بالقلق. فالإمساك بالقلم أو الضغط على حافة المكتب قد يكون طريقة فعالة لإعطاء القلق مسارا جسديا آمنا.
المشكلة لا تختفي، لكن جزءا من الانتباه ينتقل من الأفكار القلقة إلى شيء ملموس: وزن القلم أو ملمس الخاتم الذي تديره في إصبعك، أو برودة سطح الطاولة التي تنقر عليها.
في الجامعات وقاعات الاجتماعات، غالبا ما يُعتبر الرسم العفوي علامة على عدم الانتباه. لكن ماري كاي ديلاني، أستاذة التربية، تشير إلى أن الرسم والتململ قد يساعدان بعض الأشخاص على التركيز بدلاً من أن يشتتاه.
تشير دراسة إلى أن الأشخاص الذين رسموا رسوما بسيطة أثناء الاستماع إلى محادثة مملة تذكروا معلومات أكثر من الذين لم يرسموا. هذا لا يعني أن الرسم يجعلنا أذكى، بل يمنح الدماغ نشاطا خفيفا يمنعه من الشرود الكامل.
في موقع هيلث سنترال، يوضح المختص بيلي روبرتس أن بعض أدوات التململ قد تساعد في تهدئة الجسم مفرط النشاط، مما يسمح للعقل بالتركيز. ولكن الشرط الأساسي هو أن تبقى هذه الأداة في الخلفية. إذا سرقت النشاط الجانبي كل الانتباه، فإنها تتحول إلى مصدر تشتيت جديد.
هذا يقود إلى مفارقة لافتة: بعض الأشخاص، خاصة الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، قد يحافظون على تركيز أفضل عندما تظل أيديهم أو أقدامهم مشغولة بحركة بسيطة ومتكررة. لدى هؤلاء، قد تعمل هذه الحركات كوسيلة لتنظيم الذات، مما يساعد على الحفاظ على مستوى من التنبيه العصبي يسمح بمتابعة المهمة المطروحة.
التفريغ الحسي الحركي ليس جيدا أو سيئا في ذاته، بل تتحدد قيمته بسؤال بسيط: هل يساعدني هذا السلوك على التركيز وتهدئة القلق أم يؤذيني ويشتت انتباهي؟
في كثير من الحالات، يعمل التململ كصمام أمان للجهاز العصبي. هز القدم أو الضغط على كرة مطاطية أو المشي أثناء مكالمة صعبة قد يساعد في تصريف جزء من التوتر ومنع تراكمه. بعض الدراسات تشير إلى أن الحركات الصغيرة أثناء الجلوس لفترات طويلة قد تنشط الدورة الدموية وتكسر حالة الجمود الناتجة عن العمل المكتبي.
من ناحية أخرى، يتحول التململ إلى إشارة تحذير عندما يصبح مؤذيا أو قهريا أو خارجة عن السيطرة. فقضم الأظافر أو شد الشعر أو خدش الجلد لا يؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها حركات بسيطة مثل تحريك قلم أو الضغط على كرة صغيرة. هنا، لا يعود السلوك مجرد وسيلة لتنظيم التوتر، بل قد يشير إلى ضغوط نفسية أعمق أو الحاجة إلى دعم علاجي.
لذا، يوصي المختصون بالتركيز على وظيفة السلوك بدلاً من مظهره فقط. فإذا كان يساعد الشخص على الهدوء والتركيز دون أن يؤذيه أو يزعج من حوله، فقد يكون أداة تنظيم ذاتي مفيدة. أما إذا كان يسبب ألما أو إحراجا أو يعطل الحياة اليومية، فقد حان الوقت للسؤال عن الرسالة التي يحاول هذا السلوك إيصالها.
لذا، في المرة القادمة التي تلاحظ فيها يدك تضغط على زر القلم بلا وعي أو قدمك تهتز تحت الطاولة، قد لا يكون السؤال الأهم: "كيف أتوقف عن هذه الحركة؟" بل: "ما الذي يحاول جسدي أن يقوله الآن؟" بين قلم يُفتح ويُغلق وخاتم يدور حول الإصبع وساق لا تكف عن الحركة، قد يختبئ واحد من أبسط الطرق التي يستخدمها الإنسان لتهدئة نفسه.







