عصافير السجون وأثرها العميق في قلوب الأسرى

عندما يدخل الأسير الفلسطيني عبد اللطيف حلس (19 عاماً) ساحة سجن النقب، يجد نفسه أمام عصفور صغير يخفف عنه قسوة الأسر، إذ يقترب من الأسير ليكون بمثابة ضيف يحمل في جناحيه رسالة أمل في مكان ضيق. يصف عبد اللطيف تلك اللحظات بأنها بمثابة نافذة على الحرية، حيث يمد يده إلى العصفور ليشاركه ما تبقى من طعامه.
يقول عبد اللطيف: "كنت أتعرض لتعذيب شديد، لكن العصافير كانت تتيح لي فرصة الهروب من تلك المعاناة، وكأنها تحمل بيتي القديم وذكرياتي في جناحيها". ومع مرور الوقت، أصبحت تلك العصافير جزءاً من يومياته، حيث صار ينتظر الفورة كموعد عزيز، ويشعر أن تلك الكائنات الصغيرة تحمل له معنى الحرية والأنس.
بعد خروجه من السجن، عاد عبد اللطيف إلى مزرعته الصغيرة، حيث وجد في العصافير رفقة تعيد له ذكرياته. يقول: "هنا، بين الأقفاص، أحاول أن أستعيد جزءاً من حياتي المفقودة وأبدأ من جديد".
وفي سجن النقب أيضاً، يروي الأسير حسن المغربي (33 عاماً) كيف أصبحت العصافير وسيلة للتواصل مع ابنته المنتظرة، إيلين. يعتبر حسن أن رؤية العصفور الصغير كان كفيلًا بملء فراغ الأبوة المؤجلة، حيث كان ينادي صديقه عند اقتراب العصافير، قائلاً: "أجت إيلين يا أحمد". وحين خرج من السجن، كانت إيلين قد كبرت، مما زاد من حزنه لفقدان تلك اللحظات.
لكن مع كل هذه التجارب، يعاني مربو الطيور في غزة واقعاً مختلفاً بعد الحرب. فقدت العديد من الطيور بسبب القصف والحصار، مما أثر على أسواقها ومزارعها، وبالتالي اختفت أنواع نادرة من الطيور كانت تشكل جزءاً من حياة المربين. يقدر محمد الصوراني، أحد المربين، خسارته بنحو 85 ألف دولار بعد فقدانه لمزرعته التي كانت تضم 70 زوجاً من العصافير.
تظهر الأرقام أن نحو 10% فقط من طيور الزينة بقيت في القطاع، مما يعكس حجم الكارثة. ويشير باهر عكيلة، مدير الجمعية الفلسطينية للطيور، إلى أن الحرب أثرت بشكل كبير على سوق الطيور، حيث فقد الكثير من المربين حياتهم أو تم تهجيرهم. ومن هنا، أصبحت تربية الطيور في غزة أكثر صعوبة، ويعبر المربون عن حزنهم لفقدان رفقائهم الصغار.
اليوم، يعيش مربو الطيور في غزة تحديات كبيرة، حيث ارتفعت أسعار الطيور بشكل غير مسبوق، وأصبح الحصول على الغذاء والدواء أمراً في غاية الصعوبة. وعلى الرغم من كل ذلك، يبقى ارتباطهم بتربية العصافير جزءاً لا يتجزأ من حياتهم.







