توقعات البنك الدولي تنذر بتباطؤ النمو العالمي في ظل تصاعد الأزمات الاقتصادية

خفض البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2026 إلى 2.5%. ويعتبر هذا المستوى الأدنى منذ أزمة جائحة كوفيد-19. وحذر التقرير من أن التوترات في الشرق الأوسط قد أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، مما أعاد الضغوط التضخمية إلى السطح. كما بددت هذه الظروف توقعات التيسير النقدي السريع في عدد من الاقتصادات.
وأضاف البنك في تقريره نصف السنوي "الآفاق الاقتصادية العالمية" أن النمو العالمي سيشهد تباطؤا من 2.9% في 2025 إلى 2.5% هذا العام. ويعزى ذلك إلى التأثيرات السلبية على الاقتصادات المعتمدة على واردات الطاقة والدول المتضررة من الحرب. ومع ذلك، يتوقع أن يتحسن النشاط الاقتصادي إلى 2.8% في 2027 و2028 إذا تحسنت إمدادات الطاقة واستؤنف التيسير النقدي.
وشدد البنك على أن هذه التوقعات تأتي في وقت يستمر فيه النزاع الأمريكي الإسرائيلي على إيران، مما تسبب في اضطرابات في الشحن عبر مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة. كما أن المخاوف المتعلقة بأمن الغذاء في الدول منخفضة الدخل والاقتصادات المستوردة للطاقة قد تجددت.
وأوضح البنك أن النمو قد يتقلص إلى 1.3% فقط إذا تفاقمت اضطرابات إمدادات الطاقة مع ضغوط كبيرة في الأسواق المالية. ويستند هذا السيناريو إلى فرضية تخفيف أسوأ اضطرابات الطاقة بحلول نهاية يوليو. ومن المتوقع أن تعود حركة الشحن تدريجيا إلى مستويات قريبة من ما قبل الحرب بحلول نهاية العام.
بينما افترض البنك في السيناريو الأساسي أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 94 دولارا للبرميل في 2026. وهذا يمثل زيادة بنسبة 36% عن 2025، وأعلى بأكثر من 50% عن توقعاته في يناير. كما أن أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية من المتوقع أن ترتفع بحوالي 30% بسبب ضيق إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميا.
وذكر البنك أن أسعار السلع الأولية ستزيد بنسبة 22% هذا العام. في تحول حاد عن توقعاته السابقة التي كانت تشير إلى انخفاضها 7%. ويعود هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى زيادة أسعار الطاقة واضطراب تدفقات السلع من منطقة الخليج. ويتوقع البنك أيضا ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة 38% بسبب دور الخليج في صادرات اليوريا وفوسفات الأمونيوم الثنائي.
وتوقع البنك أن يبلغ التضخم العالمي 4% في 2026. لكن من المتوقع أن ينخفض إلى 3.1% في 2027 إذا انخفض متوسط سعر النفط إلى 76 دولارا للبرميل. بينما السيناريو السلبي يضع التضخم عند 4.4% إذا استمرت اضطرابات الطاقة ورافقتها ضغوط مالية واسعة.
وأبرز نائب كبير خبراء الاقتصاد في البنك الدولي أن سيناريوهات المخاطر تظهر كيف يمكن أن تتدهور التوقعات بسرعة إذا تزايدت الضغوط في قطاعات الطاقة والمالية. محذرا من أن الثقة في الأسواق قد تتلاشى بسرعة في حال تسبب صدمة الطاقة في صدمة مماثلة في الأسواق المالية.
في منطقة الشرق الأوسط، تلقت المنطقة أكبر خفض في توقعات النمو، حيث خفض البنك توقعاته للمنطقة بمقدار 2.7 نقطة مئوية إلى 1.6% في 2026. وهذا مقارنة بنمو 4% في 2025. ومع ذلك، يتوقع تعافيا إلى 5% في 2027 إذا انتهت ذروة الاضطرابات هذا العام.
وأشار البنك إلى أن الاقتصادات النفطية في الشرق الأوسط ستشهد تباطؤا كبيرا، حيث من المتوقع أن تنمو بنسبة 0.3% في 2026. وقد تم خفض توقعاته بمقدار 4.3 نقاط مئوية منذ يناير. ويعزى ذلك إلى تراجع إنتاج النفط والغاز والاضطرابات في التجارة والاستثمار الأجنبي والخدمات.
وحسب التوقعات، خفض البنك تقديره لنمو السعودية إلى 3.1% في 2026، والإمارات إلى 2.4% بعد نمو 6.2% في 2025. بينما يتوقع انكماش اقتصاد الكويت بنسبة 6.4% والعراق بنسبة 8.9% وقطر بنسبة 5.7%. ويربط التقرير أداء هذه الاقتصادات بتراجع عائدات الطاقة والاضطرابات في البنية التحتية.
وأوضح البنك أن سلطنة عمان أقل تعرضا نسبيا من بعض الاقتصادات الخليجية، حيث تقع موانئها الرئيسية خارج مضيق هرمز.
رأى التقرير أن الحرب في الشرق الأوسط قد رفعت توقعات التضخم وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية. إذ ارتفعت عوائد السندات في الاقتصادات المتقدمة، وتبددت توقعات خفض معدلات الفائدة في الأجل القريب. في حين واجهت الاقتصادات الناشئة ضغوطا على العملات وخروج رؤوس الأموال وزيادة كلفة الاقتراض.
وأشار كبير خبراء الاقتصاد في البنك الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي أقل مرونة بكثير اليوم مقارنة بما كان عليه في 2008 وحتى في 2018. ويتوقع استمرار الضبابية المتعلقة بالسياسات والضغوط التضخمية وارتفاع معدلات الفائدة في السنوات المقبلة.
وحذر التقرير من أن ضعف النمو في الاقتصادات النامية قد يهدد بالتوقف عن تضييق فجوة الدخل مع الدول المتقدمة. ويتوقع أن يتباطأ نمو نصيب الفرد من الدخل في الاقتصادات الناشئة والنامية في 2026 إلى أضعف وتيرة منذ الجائحة. كما سيواجه عشرات الدول النامية، باستثناء الصين والهند، ما يشبه "عقدا ضائعا" في مسار اللحاق بالدول الغنية.
وأشار البنك إلى أن الاقتصادات النامية ستنمو بنسبة 3.6% في 2026، بانخفاض من 4.4% في 2025. في حين يتوقع نمو الولايات المتحدة بنسبة 2.2% هذا العام، ومنطقة اليورو بنسبة 0.8%، واليابان بنسبة 0.7%، والصين بنسبة 4.2%. بينما تبقى الهند الأسرع نموا بين الاقتصادات الكبرى بمعدل 6.6%.
وأوضح التقرير أن ارتفاع الدين الحكومي في الاقتصادات الناشئة والنامية يرفع علاوات المخاطر وعوائد السندات المحلية، مما يزيد أعباء خدمة الدين. وهذا يحد من قدرة الحكومات على تمويل البنية التحتية والخدمات العامة والاستثمار الذي يدعم خلق الوظائف.
وختامًا، أكد البنك أن صناع السياسات سيحتاجون إلى الموازنة بين احتواء التضخم ودعم النشاط الاقتصادي، مع تعزيز الاستدامة المالية والحفاظ على الاستقرار المالي. وهذا يأتي في وقت يواجه فيه 1.2 مليار شاب في الاقتصادات الناشئة والنامية دخول سوق العمل بحلول 2035 وسط تباطؤ النمو وضيق الحيز المالي والتحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.







