قصص من عمق المعاناة.. كتاب يوثق تجارب النازحين في غزة

غزة - "يموت الإنسان مرتين؛ مرة حين يغادر بيته نازحًا. ومرة حين يكتشف أن تاريخه كله صار رمادًا". بهذه العبارة المؤلمة، استهل رجل الأعمال والناشط السياسي فايز أبو عكر شهادته في كتاب "شهادات النازحين: حكايات لم تكتمل"، مستعيدًا واحدة من أكثر التجارب قسوة التي عاشها الفلسطينيون في غزة خلال الحرب.
وأضاف أبو عكر، موضحًا أن مأساة النزوح لا تتعلق فقط بمغادرة المنزل، بل تكمن في بقاء البيت حيًا في ذاكرة النازح، حيث يطارده في يقظته ومنامه. حتى في أوقات الهروب تحت القصف، يبقى الأمل بالعودة إلى المنازل التي تحولت إلى ركام، بينما تبقى الذكريات عالقة في القلوب.
وشددت أريج صلاح، وهي أرملة وأم لخمس أطفال، على أن النزوح يفرض على الأمهات خوض معركة يومية لحماية أطفالهن من الخوف والجوع. وأضافت أن الحياة في ظل الحرب تدفعهن إلى أن يكنّ مصدر القوة لعائلاتهن رغم كل ما يمررن به من آلام.
بينما عبرت ندى جابر، النازحة من بيت حانون، عن تجربتها في النزوح، مشيرة إلى أن الإنسان لا يفقد بيته فحسب، بل يفقد أيضًا صلة الحياة اليومية. وأوضحت أن تفاصيل الحياة البسيطة مثل رغيف الخبز والماء تصبح أحلامًا كبيرة في ظل الأوضاع الصعبة.
كما أكدت جابر أن مشاركتها في الكتاب ليست مجرد سرد لتجربتها، بل محاولة لتوثيق الألم الذي عاشته هي وأسرتها. وأشارت إلى أنها تحدثت عن البيت الذي غادرته تحت وطأة الخوف، والأحلام التي توقفت فجأة، والذكريات التي تركت معلقة بين الجدران والركام.
ويأتي كتاب "شهادات النازحين" ضمن مشروع توثيق الشهادات، حيث يعكس معاناة مؤلفه أحمد يوسف، الذي عانى كغيره من أبناء شعبه من مرارة النزوح وفقدان الممتلكات. وأكد يوسف أن هذا الكتاب يمثل محاولة لحفظ الذاكرة الإنسانية للنازحين، ونقل أصواتهم كما عاشوها بكل ما فيها من وجع وصمود.
وأوضح يوسف أن الكتاب يجسد تجربة إنسانية صادقة، توثق واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث يمتزج الوجع بالذاكرة. وأشار إلى أن النزوح الجماعي في غزة يعيد إلى الأذهان ملامح نكبة 1948، لكن بشكل أكثر قسوة واتساعًا.
ويضم الكتاب شهادات خمسين نازحًا من مختلف خلفياتهم الاجتماعية والسياسية، مما يمنحه بعدًا إنسانيًا عميقًا يعكس تعدد التجارب ووحدة المعاناة. وأكد الباحث ربحي الجديلي أن الكتاب يمثل امتدادًا لروح مسلسل التغريبة الفلسطينية، موضحًا أنه يقدم تصويرًا حيًا لأهوال الحرب في غزة.
ويختتم الكتاب بالتأكيد على ضرورة توثيق هذه الروايات، حيث يشدد الإعلامي أحمد داوود على أن هذه الشهادات تبرز معاناة الإنسان بعيدًا عن لغة الأرقام، وتحفظ الذاكرة الإنسانية من النسيان.







