صدمة في الأسواق: التضخم الأمريكي يقفز لأعلى مستوى ويثير قلق الفيدرالي

شهد مجلس الاحتياطي الفيدرالي وأسواق المال العالمية صدمة قوية بعد تسارع مقياس التضخم المفضل لدى البنك، وهو مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، خلال شهر أبريل ليقفز إلى 3.8 في المائة على أساس سنوي، مسجلا أعلى مستوياته منذ ثلاث سنوات.
وتعكس هذه البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأميركية عمق الضغوط المالية التي تحاصر المستهلك الأميركي بفعل الارتفاعات الحادة في أسعار البنزين والمواد الغذائية وسلسلة من الصدمات الهيكلية المتداخلة.
وجاءت قفزة التضخم مدفوعة بشكل مباشر بارتفاع أسعار الطاقة، حيث قفزت أسعار التجزئة الوطنية للبنزين بنسبة 12.3 في المائة في أبريل وحده.
وتتزامن هذه الصدمة الجيوسياسية مع الآثار المستمرة للتعريفات الجمركية الشاملة التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترمب، ما دفع مؤشر التضخم الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة) إلى الارتفاع بدوره إلى 3.3 في المائة على أساس سنوي مقارنة بـ3.2 في المائة في الشهر السابق.
وتفرض هذه البيئة التضخمية مأزقا سياسيا حرجا للرئيس ترمب والحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، إذ أظهر أحدث استطلاع لـ«رويترز/إيبسوس» تراجعا ملحوظا في شعبية ترمب، مدفوعا بإحباط الناخبين من طريقة معالجته للملف الاقتصادي وعجزه عن الوفاء بوعده الانتخابي الأبرز المتمثل في كبح جماح الأسعار.
وفي غضون ذلك، كشفت تصريحات صناع السياسة النقدية عن انقسام حاد وتوجه متشدد داخل مجلس المحافظين، ما يمثل تحديا مباشرا لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، الذي تولى منصبه وسط توقعات وتطلعات سياسية بخفض الفائدة.
فقد أعلن نائب رئيس «الفيدرالي»، فيليب جيفرسون، أن مرونة سوق العمل الأميركية في مواجهة صدمة الطاقة تمنح البنك «الضوء الأخضر» للتركيز الكامل على لجم التضخم وإعادته إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة، وأشار إلى أن البنك المركزي يراقب من كثب «تأثيرات الجولة الثانية» المرتبطة بصدمات العرض وقوة الطلب الاستثماري، مؤكدا أن الإعداد الحالي للفائدة في نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة يعد مناسبا، دون أن يستبق قرار اجتماع يونيو الحاسم.
من جهتها، أبدت المحافظة ليزا كوك نبرة أكثر تشددا، معلنة استعدادها التام للتصويت لصالح «رفع أسعار الفائدة» إذا لم يظهر التراجع المتوقع في الأسعار في الوقت المناسب، محذرة من خطورة ترسخ التضخم في سلوك الأجور والأسعار بعد خمس سنوات من بقائه فوق المستهدف.
وفي تعزيز ميداني لرؤية قادة «الاحتياطي الفيدرالي» حول متانة قطاع التشغيل، أظهرت بيانات وزارة العمل الأميركية الصادرة الخميس، ارتفاعا طفيفا في عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الحكومية بمقدار 5000 طلب، ليصل الإجمالي إلى 215 ألفا للأسبوع المنتهي في 23 مايو، وهو رقم قريب جدا من التوقعات، ما يعكس انخفاضا نسبيا في عمليات التسريح الإجمالية على الرغم من أجواء الحرب والتوترات التجارية الجمركية المستمرة مع إيران.
وباستثناء موجات التسريح البارزة التي نفذتها شركات تكنولوجيا كبرى لإعادة هيكلة استثماراتها، تشير الأرقام الرسمية إلى استقرار متوقع لمعدل البطالة العام عند مستويات 4.3 في المائة لشهر مايو، ومع ذلك، تكشف البيانات عن تحديات هيكلية، إذ واجه خريجو الجامعات الجدد سوق عمل صعبة دفعت مؤشر «مجلس المؤتمرات» لثقة الأسر لإظهار تراجع في نسبة من يرون الوظائف «وفيرة» إلى أدنى مستوياتها منذ مطلع عام 2021، ما يشير إلى أن صمود سوق العمل العام لا يلغي الضغوط المتزايدة على الفئات الشابة والعمالة محدودة الخبرة.
ولم تقتصر التحذيرات على قطاع الطاقة، بل امتدت لتشمل جبهة تكنولوجية غير متوقعة، إذ أطلق رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أوستان غولسبي، تحذيرا شديد اللهجة مفاده أن «حمى استثمارات الذكاء الاصطناعي» تعمق المعضلة التضخمية الحالية وتدفع باتجاه رفع الفائدة بدلا من خفضها.
ودحض غولسبي النظرية القائلة إن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة كابحة للتضخم، وهي الرؤية التي يتبناها وارش وبعض أركان إدارة ترمب استنادا إلى طفرة الكمبيوتر في التسعينات، وجادل غولسبي بأن التوقعات الهائلة بشأن الإنتاجية المستقبلية أطلقت «حملة إنفاق استباقية» محمومة على مراكز البيانات، والرقائق، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في قفزة حادة في أسعار المواد وأجور عمال البناء قبل أن تتحقق طفرة الإنتاجية الفعلية على أرض الواقع، مؤكدا أن تزامن هذه الطفرة الاستثمارية الاستباقية مع صدمة النفط الإيرانية يجعل خطر «حمى الاقتصاد» أكثر تطرفا ويجبر «الفيدرالي» على إبقاء الفائدة مرتفعة حتى عام 2027.







