غزة تحت وطأة الفقر المدقع: تحذيرات من انهيار اقتصادي ونسبة فقر تتجاوز 90%

تتسع دائرة الفقر والمعاناة الإنسانية في قطاع غزة بصورة غير مسبوقة مع استمرار الانهيار الاقتصادي، حيث إن غالبية سكان القطاع باتوا يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة وسط تزايد الاحتياجات الأساسية وانهيار منظومة الحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، استشهد وكيل وزارة التنمية الاجتماعية في غزة رياض البيطار بتقديرات أممية تشير إلى أن نسبة الفقر في فلسطين ارتفعت في الأشهر الأولى من الحرب على غزة إلى 58% بعدما كانت قبل العدوان بحدود 26.7%، مع توقعات بتجاوزها 60% مع استمرار التصعيد وتردي الأوضاع الاقتصادية.
واوضح البيطار أن المشهد في قطاع غزة أكثر كارثية، إذ تؤكد التقارير الدولية أن نسبة الفقر تجاوزت 90% من السكان بالتزامن مع انهيار شبه كامل للأنشطة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 80% في بعض التقديرات.
واضاف أن فئة "أفقر الفقراء" توسعت بشكل هائل بعد الحرب نتيجة فقدان مصادر الدخل وتدمير المنازل وتعطل الأسواق، لافتا إلى أن نحو 90% من الأسر أصبحت تعتمد بشكل كامل على المساعدات الإنسانية والغذائية والنقدية.
واشار البيطار إلى أن نحو 81 ألف أسرة في قطاع غزة كانت تستفيد قبل الحرب من برنامج التحويلات النقدية التابع لوزارة التنمية الاجتماعية، الذي يستهدف الأسر المصنفة ضمن "أفقر الفقراء"، وكانت المساعدات تصرف بشكل دوري وفق معايير اجتماعية واقتصادية معتمدة.
وبين أن الحرب وما تبعها من انهيار مالي واقتصادي وتعطل التحويلات المالية وتراجع التمويل الدولي، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية المؤسسية والقطاع المصرفي، أدت إلى توقف صرف المخصصات لفترات طويلة رغم تضاعف الحاجة الإنسانية.
وتعمل الوزارة بحسب المسؤول الفلسطيني ضمن خطة استجابة طارئة متعددة المحاور تشمل إدارة ومتابعة مراكز الإيواء، وتقديم الخدمات الاجتماعية داخلها، وحماية الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للحالات المتضررة من الحرب، والتنسيق مع المؤسسات الدولية والمحلية لتوزيع المساعدات الغذائية والنقدية، ومتابعة ملفات الأيتام والأسر فاقدة المعيل، ورصد الحالات الإنسانية الطارئة والتدخل السريع لها، وتنظيم قواعد بيانات الأسر والنازحين ودعم مبادرات الحماية المجتمعية.
ولم تعد الاحتياجات الإنسانية تقتصر على الغذاء فقط، بل باتت تشمل أساسيات البقاء على قيد الحياة مثل مياه الشرب النظيفة والمأوى والخيام ومواد الإيواء والأغطية والملابس والفرشات والأدوية والمستلزمات الطبية والسيولة النقدية إلى جانب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي ومستلزمات الأطفال والنساء حسب البيطار.
واوضح أن تدمير البنية الاقتصادية وفقدان مصادر الدخل جعلا غالبية الأسر عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية.
ويعتبر الإيواء من أكثر الملفات تعقيدا وخطورة في ظل وجود أعداد كبيرة من الأسر التي فقدت منازلها بشكل كلي أو جزئي، يقول البيطار مشيرا إلى وجود نحو مليون شخص داخل مراكز الإيواء، وذلك بعدما دمرت إسرائيل أكثر من 106 آلاف وحدة سكنية كليا و66 ألف وحدة أخرى لحقت بها أضرار بالغة ولم تعد صالحة للسكن، إضافة إلى 41 ألف وحدة سكنية تضررت جزئيا.
وبين أن الاحتياجات الأساسية في هذا القطاع تشمل الخيام وأدوات التثبيت، والوحدات السكنية المؤقتة "الكرفانات"، والأغطية والفرشات، ومستلزمات النظافة الشخصية والحمامات المتنقلة وشبكات الصرف الصحي، إضافة إلى مصادر الكهرباء والطاقة البديلة، وتوفير المياه الصالحة للشرب وأدوات الطهي والاحتياجات المنزلية الأساسية.
واكد أن استمرار النزوح وتكرار الاستهدافات يضاعفان الاحتياجات الإنسانية بشكل يومي.
واشار المسؤول الحكومي إلى أن الوزارة تواصل العمل بشكل مكثف على ملفات الحماية الاجتماعية خاصة للأطفال والأيتام والنساء عبر متابعة الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، وحصر وتوثيق الأيتام والأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين من الحرب.
وتعمل الوزارة كذلك على متابعة النساء المعيلات والأرامل والناجيات من العنف وتوفير مساحات آمنة للأطفال داخل مراكز الإيواء، وتنفيذ أنشطة حماية وتوعية ودعم نفسي بالتعاون مع المؤسسات الشريكة، إلى جانب التدخل لحماية الأطفال من الاستغلال أو التسرب والمخاطر المجتمعية الناتجة عن الحرب والنزوح.
واظهرت إحصائية أعدتها وزارة التنمية الاجتماعية في غزة عبر المنظومة الوطنية للأيتام التي تعتبر من أكبر وأشمل منظومات بيانات الأيتام في القطاع أن إجمالي عدد الأيتام في قطاع غزة بلغ 64616 يتيما منهم 55157 خلال الحرب الأخيرة معظمهم فقدوا آباءهم.
وبحسب الإحصاءات الرسمية فقد رفعت حرب الإبادة الجماعية عدد النساء اللواتي فقدن أزواجهن إلى 21193 أصبحن أرامل منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يتحملن مسؤولية إعالة أنفسهن وأطفالهن في ظل انهيار اقتصادي شامل.
وتعرضت مؤسسات الرعاية الاجتماعية ودور الإيواء لأضرار مباشرة وجميعها خرجت عن الخدمة خلال الحرب بسبب القصف أو وقوعها ضمن مناطق خطرة أو نتيجة النزوح القسري، فيما واجهت مؤسسات أخرى صعوبات تشغيلية كبيرة بسبب نقص التمويل والوقود والإمدادات.
ولفت البيطار إلى أن وزارة التنمية الاجتماعية أعادت تفعيل "بيت الأمان" الخاص بالحالات الهشة مثل النساء المعنفات وغيرهن من الفئات الخاصة، مؤكدا أن إعادة تأهيل مؤسسات الرعاية ممكنة لكنها تتطلب تمويلا عاجلا وإعادة إعمار للبنية التحتية وتوفير الكوادر والمستلزمات التشغيلية إلى جانب ضمان بيئة آمنة لاستمرار العمل.
ولم تعد الأزمة الحالية في قطاع غزة إغاثية مؤقتة يؤكد البيطار، بل تحولت إلى أزمة تنموية وإنسانية شاملة تمس مختلف تفاصيل الحياة ما يتطلب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط للتعافي المبكر وإعادة بناء منظومة الحماية الاجتماعية بشكل كامل.
وكشف أن الوزارة عملت على تطوير أنظمة محوسبة منها المنظومة الوطنية للإغاثة والمنظومة الوطنية للأيتام ومنظومة "سند" الخاصة بالحالات الهشة بهدف ضمان حصر الأسر وتوزيع الخدمات الإغاثية بعدالة ومنع الازدواجية، واكد الحاجة الملحة إلى توحيد قواعد البيانات وتعزيز برامج الدعم النقدي والحماية الاجتماعية في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد الذي تعيشه الأسر في قطاع غزة.
ونوه المسؤول البيطار إلى وجود تنسيق مستمر مع المؤسسات الأممية والدولية والمحلية العاملة في المجال الإنساني بما يشمل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمؤسسات الأهلية بهدف تنسيق توزيع المساعدات وتبادل البيانات الإنسانية وتنفيذ برامج الحماية والدعم النفسي ودعم مراكز الإيواء وتنفيذ برامج الأمن الغذائي والنقدي.
واضاف أن الوزارة تسعى إلى تعزيز الشراكات بما يضمن عدالة الوصول للخدمات وتكامل الجهود الإنسانية في ظل الظروف الكارثية الراهنة.







