السعودية ترسم ملامح السيادة الرقمية برؤية استراتيجية طموحة

في عالم يشهد تداخلا للحدود الرقمية وتنافسا متزايدا بين الدول على امتلاك البيانات وتعزيز القدرات التقنية، اختارت السعودية أن تتبنى مسارا رقميا خاصا بها، مدفوعة برؤية استراتيجية طموحة، حيث أطلقت منظومة متكاملة من السياسات والاستثمارات والشراكات النوعية، لتتحول بذلك إلى نموذج عالمي في مجال التحول الرقمي.
غير أن الأهم من ذلك، هو ما يظهره هذا التحول من تغيير جذري في طريقة تفكير السعودية في السيادة الرقمية، فلم تعد مجرد حماية للبيانات، بل أصبحت محركا للنمو الاقتصادي وأداة لصناعة المستقبل.
ولفهم هذا التحول، يرى أيمن الراشد، نائب الرئيس الإقليمي لشركة «اي بي ام» في السعودية، أن هناك مفهوما خاطئا شائعا حول السيادة الرقمية، حيث يعتبرها البعض مسألة تقنية تتعلق بمكان تخزين البيانات، موضحا أن «من المهم النظر إلى السيادة الرقمية بوصفها قدرة تشغيلية متكاملة».
واضاف الراشد أن السيادة الرقمية تشمل قدرة المؤسسات على التحكم في بياناتها وحوكمتها وتشغيل أنظمتها الرقمية ونتائجها بثقة واستمرارية على المدى الطويل.
هذا التعريف الموسع يمنح السيادة الرقمية أبعادا أعمق، فهي ليست مجرد حاجز يمنع خروج البيانات، بل نظام حوكمة متكامل يضمن المساءلة وضوابط الوصول والرقابة وقابلية التدقيق، مما يحافظ على موثوقية الأنظمة الرقمية وقدرتها على التوسع بأمان وامتثال.
من جهته، يؤكد محمد طلعت، نائب الرئيس لمنطقة السعودية ومصر وشمال افريقيا وبلاد الشام في «ديل تكنولوجيز»، أن هذا النهج ترجمته المملكة إلى واقع ملموس من خلال أطر تنظيمية واضحة، في مقدمتها نظام حماية البيانات الشخصية، الذي أسهم في خلق بيئة تعزز التوسع العالمي مع ضمان السيطرة الصارمة على البيانات.
واضاف طلعت أن المملكة عملت على تعزيز جاذبيتها للشركات التقنية الدولية عبر المناطق الاقتصادية والحوافز الضريبية والشراكات مع مزودي الخدمات السحابية.
لعل قطاع التقنية المالية يمثل النموذج الأوضح على الدور التحويلي للسيادة الرقمية في الاقتصاد السعودي، فقد شهد هذا القطاع نموا ملحوظا خلال السنوات القليلة الماضية، ويرى الراشد أن السيادة الرقمية كانت أحد العوامل الجوهرية التي مهدت لهذا النمو.
الآلية التي يصفها الراشد واضحة، فعندما أصبح من الممكن معالجة البيانات المالية الحساسة وتخزينها داخل المملكة ووفق الأطر التنظيمية المحلية، ارتفعت ثقة المستثمرين والبنوك وشركات التأمين والعملاء النهائيين في التعامل مع حلول التقنية المالية، وبالتالي، فإن السيادة الرقمية أزالت أحد أكبر العوائق التي كانت تثبط نمو هذا القطاع، وهو القلق المتعلق بمكان وجود البيانات الحساسة ومن يتحكم فيها.
والأهم من ذلك، أن هذا لم يأت على حساب الابتكار، فقد قدمت «اي بي ام» حلولا سحابية سيادية وهجينة تتيح للمؤسسات المالية الاحتفاظ بالبيانات الحساسة محليا، مع الاستفادة في الوقت نفسه من قدرات السحابة المتقدمة، هذا النموذج مكن شركات التقنية المالية من تحقيق توازن عملي بين سرعة الابتكار والامتثال الصارم للأنظمة دون التضحية بأي منهما.
السيادة الرقمية لم تنفع المؤسسات الكبرى وحدها، بل أسهمت أيضا في تغيير قواعد اللعبة لصالح الشركات الناشئة السعودية، ويوضح الراشد أن تخزين البيانات ومعالجتها داخل المملكة ضمن أطر تنظيمية واضحة مكن هذه الشركات من الانطلاق والنمو، وهي متوافقة مع الأنظمة منذ اليوم الأول.
غير أن الأثر الاقتصادي يتجاوز مجرد تبسيط الامتثال، فالسيادة الرقمية عززت ثقة العملاء والشركاء في الحلول المحلية، وانعكس ذلك اقتصاديا في تسريع تبني المنتجات الرقمية، وزيادة فرص التوسع في قاعدة العملاء، وتحسين القدرة على جذب الاستثمارات، وبناء شراكات مع مؤسسات كبرى، إلى جانب تعزيز فرص تحقيق إيرادات مبكرة.
ويبيّن الراشد أن أبعد تأثيرات السيادة الرقمية مدىً، يتمثل في تحسين جاهزية الشركات الناشئة للتوسع الإقليمي، فبناء الحلول الرقمية وفق معايير سيادية قوية داخل المملكة، منح الشركات السعودية ميزة تنافسية واضحة، لا سيما مع تقارب السياسات التنظيمية في عدد من أسواق المنطقة، ما يعني أن ما بنته هذه الشركات محليا أصبح قابلا للتصدير والتوسع.
أحد أكثر التساؤلات تعقيدا في هذا الملف هو كيف نجحت المملكة في استقطاب كبرى شركات التقنية العالمية للاستثمار محليا، دون أن تتنازل عن سيادتها على البيانات الوطنية، ويرى طلعت أن المملكة نجحت في تحقيق توازن دقيق من خلال منح الشركات الدولية بيئة تنظيمية واضحة وحوافز جذابة، في مقابل ضمانات صارمة تكفل بقاء البيانات الحساسة تحت السيطرة الوطنية.
وتجلت هذه الفلسفة عمليا، بحسب طلعت، في تطوير بنية تحتية محلية وآمنة تدعم أجندات الذكاء الاصطناعي الوطنية، ومن الأمثلة الدالة، افتتاح «ديل تكنولوجيز» عام 2024 مركزا جديدا للدمج والتوزيع في الدمام، في إطار استثمار بملايين الدولارات لتعزيز العمليات المحلية ومرونة سلسلة التوريد، وهو ما يعكس نموذجا تصبح فيه الشركات الدولية شريكة في بناء السيادة لا تهديدا لها.
ماذا ستبدو عليه هذه المنظومة بحلول عام 2030؟ يرسم طلعت صورة طموحة: اقتصاد رقمي سيادي يتوقع أن يكون الأكبر في الشرق الأوسط، مع مساهمة متوقعة للذكاء الاصطناعي وحده بمبلغ 135 مليار دولار في الاقتصاد، مدعوما بسعة مراكز بيانات محلية تزيد عن 1.5 غيغاواط، وتسعى المملكة إلى ترسيخ مكانتها مركزا عالميا للحوسبة السحابية وابتكار الذكاء الاصطناعي وتصنيع التكنولوجيا المستدامة، مدعومة بمدن ذكية متكاملة وأنظمة بيانات سيادية وآمنة.
أما الراشد فيرى أن المملكة تمتلك فرصة حقيقية لتجاوز الدور المحلي نحو الإسهام في تشكيل نماذج رقمية سيادية عالمية، عبر منظومة متنامية من الشراكات المحلية والإقليمية والدولية، وهو توجه يعكس انتقالا من موقع المستورد للتقنية إلى موقع المصدر للنماذج والمعايير.
بيد أن كلاهما يقر بأن تحقيق هذه الرؤية يتطلب مواجهة تحد محوري، وهو سد فجوات المهارات البشرية، فالبنية التحتية المتقدمة ضرورة لكنها ليست كافية، إذ يستلزم الأمر استثمارا متوازيا وعميقا في تطوير الكوادر السعودية القادرة على إدارة هذا المستقبل الرقمي وقيادته.
وفي نهاية المطاف، تكشف تجربة السعودية أن السيادة الرقمية ليست خيارا دفاعيا يهدف إلى عزل البيانات عن العالم، بل هي استراتيجية تمنح الدول والشركات القدرة على الانخراط في منظومة الابتكار العالمية من موقع القوة، لا من موقع التبعية.







