صراع داخل الفيدرالي الامريكي مع بداية حقبة وارش وسط تحديات اقتصادية

تشهد اروقة الاحتياطي الفيدرالي الامريكي صراعا مبكرا مع تولي الرئيس الجديد كيفين وارش مهام منصبه، وسط تحديات اقتصادية وسياسية معقدة تواجهها الولايات المتحدة.
وكشفت مصادر مطلعة ان جناح التعيينات الترمبية داخل الاحتياطي الفيدرالي شن هجوما استباقيا للحد من نفوذ الرئيس السابق جيروم باول، وسجلت نائبة رئيس الفيدرالي للرقابة ميشيل بومان والمحافظ ستيفن ميران اعتراضا حادا ضد منحه ولاية مؤقتة مفتوحة لادارة البنك.
ويهدف هذا الاصطدام المباشر الى تحجيم تركة باول وحماية صلاحيات وارش التنفيذية، ويتزامن ذلك مع حرب ضارية في ايران اثرت على امدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، وارتفاع معدلات التضخم التي تؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين الامريكيين.
واضافت المصادر ان ميران غادر اروقة الفيدرالي تاركا خلفه ارثا حافلا بالجدل، ليمهد الطريق امام وارش لايجاد توازن نقدي صعب في ظل معطيات اقتصادية وسياسية متغيرة.
واظهرت البيانات الاقتصادية الاخيرة عمق المازق الذي يواجه الادارة الامريكية الجديدة والقيادة المرتقبة للاحتياطي الفيدرالي، وتشير بيانات مبيعات التجزئة الى ان المستهلكين بداوا في تقليل الانفاق والتركيز على السلع الاساسية الصغيرة، وهو ما وصفته بعض الشركات بانه تراجع يشبه ديناميكيات ازمة 2008 المالية.
واوضحت البيانات ان السبب الرئيسي وراء هذا التراجع هو ارتفاع اسعار الوقود والطاقة جراء حرب ايران، مما رفع تكاليف النقل واهتزت معه ثقة المستهلكين، ويؤكد 75 بالمئة من الامريكيين ان هذه الحرب اثرت على وضعهم المالي مباشرة.
وبينت البيانات انه بالتزامن مع ذلك، باتت الاجور الحقيقية شبه ميتة، وترتفع الاسعار بوتيرة متسارعة متجاوزة نمو الرواتب، مما يعني ان التضخم بدا رسميا في التهام القدرة الشرائية للمواطنين.
وعلى الرغم من محاولات التقليل من اهمية بيانات التضخم الاخيرة، فان الارقام التحليلية تكشف سياقا اكثر خطورة وعمقا، فالتضخم لم يعد محصورا في اسعار الطاقة والغذاء المتذبذبة، بل زحف بقوة نحو قطاع الخدمات، وهو ما يعرف اقتصاديا بالتضخم اللزج الذي يصعب خفضه بمجرد انتهاء الازمات الطارئة.
واظهر مؤشر اسعار المنتجين قفزة في الخدمات بالجملة، مما يؤكد وجود اتجاه هيكلي اعمق يتجاوز ازمة النفط الحالية، ويجعل خطوة خفض الفائدة التي يطالب بها ترمب لتحفيز النمو امرا ينطوي على مخاطرة باشعال التضخم بشكل اكبر.
وفي ظل هذه الاجواء المشحونة، يغادر المحافظ ستيفن ميران منصبه في الاحتياطي الفيدرالي مسجلا اقصر فترة ولاية لمحافظ منذ 71 عاما.
واشارت المصادر الى ان ميران، الذي اثار جدلا واسعا بسبب تمسكه بمنصبه في مجلس المستشارين الاقتصاديين للبيت الابيض بالتزامن مع عمله في الاحتياطي الفيدرالي، يغادر برقم قياسي من المعارضة الدائمة، اذ عارض قرارات اللجنة في جميع الاجتماعات التي حضرها.
واكدت المصادر انه رغم مغادرته، يرى المحللون ان ميران نجح في ارساء قواعد فكرية سيتبناها خلفه وارش بقوة، وترتكز على مبداين اساسيين: اولهما اثر الغاء القيود التنظيمية لتعزيز جانب العرض وخفض التضخم تلقائيا، وثانيهما تجاوز الصدمات الجيوسياسية المؤقتة والتركيز فقط على معدل التضخم الهيكلي العام.
وفي خطوة تفكك جبهة باول التقليدية وتشن مواجهة مباشرة ضد تحركاته الاخيرة، اصدرت نائبة رئيس الاحتياطي الفيدرالي للرقابة ميشيل بومان بالاشتراك مع المحافظ المغادر ستيفن ميران بيانا توضيحيا مشتركا، اعلنا فيه صراحة حجب تصويتهما وعدم دعمهما لقرار تعيين باول رئيسا مؤقتا بصيغة مفتوحة زمنيا.
وبين المسؤولان في بيانهما انهما لا يعترضان على مبدا التعيين المؤقت لباول كاجراء لتسيير الاعمال حتى يؤدي وارش اليمين الدستورية، غير انهما نبها الى ان البنك يمر حاليا بوضع فريد من نوعه ولا مثيل له في اي سابقة تاريخية، حيث تنتهي ولاية رئيس مجلس الادارة السابق قبل ان يؤدي الرئيس الجديد اليمين الدستورية لمباشرة مهامه.
وشدد بومان وميران على ان انتخاب رئيس مؤقت يجب ان يقتصر بصرامة على فترة زمنية محددة وقصيرة لا تقل عن اسبوع، مع ابداء مرونة لدعم فترة تصل الى شهر كحد اقصى لاستيعاب اي تاخير اداري محتمل، واشارا الى انه في حال تعذر اداء الرئيس الجديد لليمين خلال هذا الاطار الزمني، يتعين اعادة اخضاع التعيين المؤقت للتجديد عبر تصويت جديد من قبل مجلس المحافظين، او من خلال اجراء رئاسي محتمل من البيت الابيض.
واختتم حليفا ترمب بيانهما المشترك بالتاكيد على عدم قناعتهما بمنح رئيس الفيدرالي المؤقت اطارا زمنيا مفتوحا وغير محدود، وهو السبب الجوهري الذي دفعهما رسميا لاعلان عدم تاييد هذا الاجراء وحجب صوتهما عنه، في اشارة واضحة الى بدء ملامح حقبة جديدة من الصراع لاعادة تشكيل هوية البنك المركزي.
واكدت المصادر ان مهمة كيفين وارش في احداث تغيير جذري وسريع داخل الفيدرالي لن تكون سهلة، فالمركزي الامريكي يدار بعقلية اللجنة المشتركة وليس كوكالة تنفيذية تخضع لقرار فردي، ولا يزال وارش يواجه معارضة داخلية من صقور التضخم بالمجلس.
وما يزيد المشهد تعقيدا هو قرار الاحتياطي الفيدرالي بتعيين باول رئيسا مؤقتا لتسيير الاعمال حتى اداء وارش اليمين الدستورية، مع اعلان باول احتفاظه بمقعده كمحافظ حتى انتهاء التحقيقات المتعلقة بتجديدات مقر الفيدرالي، هذا الوجود المستمر لباول يمثل درعا لحماية استقلالية المؤسسة ضد التدخلات السياسية المباشرة، مما يعني ان وارش سيكون بحاجة ماسة لبناء تحالفات قوية لاقناع اعضاء اللجنة برؤيته الاقتصادية الجديدة، وسط تكهنات باحتمالية عودة ميران مجددا للمجلس في حال شغور اي مقعد مستقبلا.







