في لبنان.. ذكريات النكبة ترافق اللاجئين الفلسطينيين وحلم العودة يراود الأجيال

تظل آلام النكبة وذكرياتها جزءا لا يتجزأ من حياة الفلسطينيين، سواء كانوا في أماكن إقامتهم أو في المنافي القريبة والبعيدة، فالنكبة ومرارتها لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية كأنها وقعت منذ أيام قليلة، وليس قبل نحو 78 عاما.
على وقع الغارات الإسرائيلية التي تستهدف لبنان، البلد الذي يحتضن عددا من مخيمات اللجوء الفلسطينية، يتناقل الفلسطينيون في مخيم عين الحلوة بصيدا، جنوبي لبنان، الحكايات الأولى للنكبة الفلسطينية التي بدأت عام 1948 ولا تزال مستمرة حتى اليوم.
يحرص كبار السن من الفلسطينيين على توريث أحفادهم وأبنائهم أسماء بلداتهم وقراهم، بالإضافة إلى مفاتيح بيوتهم الأصلية التي اصطحبوها معهم، وذلك تجسيدا لإيمانهم القوي بالعودة إليها في يوم من الأيام.
روت الفلسطينية زكية حسنين، البالغة من العمر 79 عاما، وهي من سكان مخيم عين الحلوة، لوكالة الأناضول للأنباء، قصة التهجير التي لازمتها طوال حياتها منذ ولادتها في مدينة حيفا في عام النكبة، وقالت إن عائلتها حملت أطفالها وسارت من حيفا باتجاه بنت جبيل، بعد أن قيل لهم إنهم سيعودون بعد يومين، لكنهم لم يعودوا حتى اليوم.
أشارت زكية إلى أن ما صُور لعائلتها على أنه غياب مؤقت تحول إلى عمر كامل في المنافي، مضيفة أن فكرة العودة بقيت حاضرة رغم مرور العقود، وأضافت: لا نريد لأبنائنا أن يعيشوا ما عشناه، لقد مضى عمر كامل ونحن ننتظر العودة.
تستذكر زكية بحزن فقدان شقيق لها خلال رحلة اللجوء، مشددة على ضرورة تمسك الأجيال الجديدة بحق العودة وعدم القبول بأي بديل عن الأرض مهما طال الزمن.
أما اللاجئة الفلسطينية بهية صالح، البالغة من العمر 91 عاما، فتستعيد ذكريات نزوح طويل بدأ من بلدة سبلان الفلسطينية، مرورا بعدة محطات في لبنان، بينها صور جنوبي لبنان وعنجر شرقه.
قالت بهية في شهادتها للأناضول: انتقلنا إلى حرفوش وبنت جبيل ورميش وصور، وكنا نركض ليلا عبر الطرق الوعرة، سقطت على حجر وأصبت بجرح، وما زلت أذكر الطريق حتى اليوم، وتصف بهية سنوات التهجير الأولى بأنها قاسية ومخيفة.
أشارت بهية إلى أن التنقل المستمر بين مناطق مختلفة في لبنان ترك أثرا عميقا في الذاكرة الفردية والجماعية للاجئين.
يعيش في لبنان قرابة 489 ألف لاجئ فلسطيني من أصل نحو 5.6 ملايين لاجئ مسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وتقول الوكالة إن نحو 45% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون داخل 12 مخيما مكتظا، وسط تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة.
تأسس مخيم عين الحلوة عام 1948، ويعد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إذ يضم نحو 50 ألف لاجئ مسجل وفق بيانات الأمم المتحدة، في حين تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد سكانه يتجاوز 70 ألفا.
يطلق الفلسطينيون مصطلح النكبة على تهجير 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في نحو 1300 قرية ومدينة عام 1948 بالتزامن مع إعلان قيام إسرائيل على أراض فلسطينية، ويحيي الفلسطينيون الذكرى سنويا عبر فعاليات داخل الأراضي الفلسطينية وفي الشتات، تأكيدا على تمسكهم بحق العودة.
تحل ذكرى النكبة هذا العام بينما تواصل إسرائيل منذ عام 2023 حربا في قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد وإصابة عشرات الآلاف وتدمير نحو 90% من القطاع المحاصر، كما يواصل الاحتلال منذ الثاني من مارس شن عدوانا على لبنان، أسفر عن آلاف القتلى والجرحى، إضافة إلى أكثر من مليون نازح، وفقا لبيانات رسمية.
تحتل إسرائيل فلسطين وأراضي في سوريا، وترفض الانسحاب منها وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وبالموازاة مع ذلك، يكثف الجيش الإسرائيلي والمستوطنون اعتداءاتهم بالضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، عبر القتل والاعتقال وتخريب وهدم المنازل والمنشآت وتهجير الفلسطينيين والتوسع الاستيطاني في أراضيهم.
رغم مرور عقود طويلة على النكبة، فلا يزال اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يتمسكون بحق العودة إلى مدنهم وقراهم الأصلية، بينما تتوارث الأجيال الجديدة ذاكرة اللجوء بوصفها جزءا من الهوية الفلسطينية الجماعية.







