ذاكرة السمنة: هل تبقى المخاطر الصحية بعد فقدان الوزن؟

كشفت دراسة حديثة ان الجسم قد يحتفظ بما يعرف بذاكرة السمنة ما يجعل بعض المخاطر الصحية مستمرة حتى بعد الوصول الى وزن طبيعي.
يعتقد كثيرون ان فقدان الوزن والتخلص من السمنة يعنيان انتهاء خطر الاصابة بالامراض المرتبطة بها مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.
واظهرت الدراسة ان هذه الذاكرة قد تبقى داخل الخلايا المناعية لمدة تصل الى 10 سنوات بعد فقدان الوزن وهو ما قد يفسر استمرار قابلية بعض الاشخاص للاصابة بامراض مرتبطة بالسمنة رغم نجاحهم في انقاص اوزانهم.
والدراسة التي نشرتها مجلة سبرينغر نيتشر نهاية ابريل قادها فريق بحثي اوروبي برئاسة البروفيسور كلاوديو ماورو من جامعة برمنغهام وخلص الباحثون الى ان الخلايا المناعية المعروفة بالخلايا التائية المساعدة او الخلايا الليمفاوية تحتفظ بذاكرة طويلة الامد لحالة السمنة.
واوضحت الدراسة ان التاثير المناعي للسمنة يبدا من الانسجة الدهنية في منطقة البطن حيث يؤدي تراكم الدهون الى اعادة تشكيل الخلايا المناعية الموجودة هناك ومع زيادة الوزن تستبدل بعض انواع الخلايا المناعية بخلايا تائية التهابية من النوع الاول ما يعزز الالتهابات المزمنة المرتبطة بالسمنة.
كما وجد الباحثون ان عملية مثيلة الحمض النووي وهي الية تلعب دورا مهما في تنظيم عمل الجينات والشيخوخة الطبيعية ترتبط بتغيرات طويلة الامد في الخلايا المناعية ويعتقد ان هذه التغيرات قد تستمر بين 5 و10 سنوات حتى بعد فقدان الوزن.
ويرى فريق البحث ان تاثير ذاكرة السمنة قد يؤدي الى اضطراب بعض الوظائف الطبيعية للجهاز المناعي مثل التخلص من الفضلات الخلوية وتنظيم شيخوخة الجهاز المناعي ما قد يبقي الاشخاص الذين فقدوا الوزن اكثر عرضة للاصابة بامراض مرتبطة بالسمنة لفترة طويلة.
اعتمدت الدراسة على عدة مجموعات من العينات البشرية والحيوانية شملت مرضى يعانون من السمنة المفرطة ويتلقون حقن انقاص الوزن ومرضى مصابين بمتلازمة الستروم وهي اضطراب وراثي نادر يسبب السمنة المبكرة في الطفولة وتوائم متطابقة اصحاء ومشاركين خضعوا لبرنامج تدريبي لمدة 10 اسابيع جمعت منهم عينات دم وانسجة دهنية.
كما استخدم الباحثون نماذج لفئران خضعت لنظام غذائي غني بالدهون الى جانب عينات دم من متطوعين اصحاء لفهم الاليات الخلوية المرتبطة باضطراب المناعة في حالات السمنة.
وقال البروفيسور كلاوديو ماورو ان النتائج تشير الى ان فقدان الوزن على المدى القصير قد لا يقلل فورا من خطر الاصابة ببعض الامراض المرتبطة بالسمنة مثل السكري من النوع الثاني وبعض انواع السرطان.
بحسب الدراسة فان ذاكرة السمنة تؤثر ايضا على عملية الالتهام الذاتي وهي الية تتخلص فيها الخلايا من الفضلات والاجزاء التالفة داخلها كما قد تؤثر على شيخوخة الجهاز المناعي نفسه.
ويرى الباحثون ان فهم هذه التغيرات قد يساعد مستقبلا في تطوير علاجات مساعدة تستخدم الى جانب ادوية انقاص الوزن للحد من خطر الاصابة بالامراض الايضية والسرطان المرتبط بالسمنة.
من جهتها قالت الدكتورة بيليندا نيدجاي من معهد وولفسون لصحة السكان بجامعة كوين ماري في لندن وهي احدى المشاركات في الدراسة ان النتائج تظهر ان السمنة تترك تعديلات جينية دائمة تؤثر في سلوك الخلايا المناعية بما يعني ان الجهاز المناعي يحتفظ بما يشبه السجل الجزيئي للحالة الايضية السابقة للجسم.
يرى الباحثون ان الحفاظ المستمر على الوزن بعد فقدانه قد يساعد تدريجيا في تلاشي ذاكرة السمنة لكن الامر قد يحتاج الى فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات من الاستقرار على وزن صحي.
ورغم النتائج المهمة شدد فريق البحث على ضرورة اجراء المزيد من الدراسات لفهم كيفية عكس اثار السمنة على الخلايا المناعية بشكل كامل.
واشار كلاوديو ماورو الى وجود فرص علاجية واعدة قد تساعد في تسريع تلاشي ذاكرة السمنة من بينها اعادة استخدام بعض ادوية السكري المعروفة بمثبطات SGLT2 والتي اظهرت نتائج مشجعة في تقليل الالتهاب وتحسين التخلص من الخلايا المناعية المرتبطة بالسمنة.
وتستخدم مثبطات SGLT2 لعلاج السكري من النوع الثاني اذ تساعد الكلى على التخلص من السكر الزائد عبر البول كما تتميز بقدرتها على حماية القلب والكلى وخفض ضغط الدم والمساعدة في انقاص الوزن.
من جانبها اكدت اميرة حبيب اخصائية التغذية العلاجية ومدربة الصحة المعتمدة ان رحلة انقاص الوزن يجب ان تتم بطريقة صحية وامنة للحفاظ على الكتلة العضلية ومستويات الفيتامينات والمعادن المهمة للجسم.
واوضحت ان فقدان ما بين 10 و15% من الوزن غالبا ما ينعكس ايجابيا على نتائج التحاليل والمؤشرات الصحية العامة.
واضافت ان ما بين 80 و95% من الاشخاص الذين يفقدون اوزانهم يعودون لاكتساب الوزن خلال فترة تتراوح بين سنتين و5 سنوات وهو ما يرتبط جزئيا بما يعرف بذاكرة السمنة لذلك يحتاج هؤلاء الى متابعة مستمرة ودعم طويل الامد للحفاظ على نتائج فقدان الوزن وتقليل خطر الاصابة بالامراض المرتبطة بالسمنة.
وشددت على ان الحل الحقيقي لتجنب العودة الى السمنة يتمثل في تبني نمط حياة صحي ومستدام وليس الاعتماد على حلول مؤقتة فقط.
كما دعت الى عدم وصم الاشخاص الذين يستعيدون اوزانهم بعد فقدانها باعتبارهم ضعيفي الارادة لان الامر يرتبط ايضا بتغيرات بيولوجية ومناعية داخل الجسم وليس بالارادة وحدها.
واشارت الى اهمية الوقاية المبكرة من السمنة بدءا من مرحلة الحمل وتغذية الام وصولا الى تغذية الاطفال بشكل صحي لان السمنة المبكرة قد تترك اثارا طويلة الامد على الجسم وجودة الحياة.







