اقتلاع الذاكرة.. ترمسعيا تفقد مئات أشجار الزيتون المعمرة

استيقظ سكان بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله على وقع فاجعة في ساعات الصباح الأولى، حيث اكتشفوا اختفاء مئات أشجار الزيتون من سهل البلدة، في مشهد وصفه الأهالي بأنه "تطهير زراعي" ممنهج يهدف إلى اقتلاع ذاكرة المكان قبل الشجر.
وطالت هذه العملية قرابة 1000 شجرة زيتون معمرة دفعة واحدة، لتضاف إلى نحو 20 ألف شجرة اقتُلعت أو جفت خلال الفترة الأخيرة في المنطقة ذاتها.
ولم يكن هذا المشهد جديدا على أهالي البلدة، إلا أنه كان هذه المرة أكثر قسوة، حيث سقطت أشجار معمرة تعود جذورها لعقود في ليلة واحدة، تاركة خلفها أرضا جرداء يعاد تشكيلها بصمت، كما يقول السكان، لصالح توسعات استيطانية تزرع فيها محاصيل بديلة مثل العنب، في تغيير تدريجي لملامح الأرض وهوية المكان.
ويصف عبد الله أبو عواد، أحد مزارعي سهل ترمسعيا، ما يحدث بأنه اقتلاع للحياة نفسها قبل أن يكون اقتلاعا للأشجار، ويؤكد أن الأراضي التي جرى تجريفها مملوكة بالكامل للفلسطينيين بوثائق رسمية، ولم تصدر بشأنها أي قرارات مصادرة، لكن ذلك لم يمنع، وفق روايته، من تحويلها إلى مساحات يمنع أصحابها من الوصول إليها، بينما يسمح للمستوطنين بالتحرك فيها بحرية.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كما يروي السكان، دخل سهل ترمسعيا مرحلة أكثر تعقيدا من التضييق، إذ بات الوصول إليه شبه مستحيل للفلسطينيين، في حين تتكرر مشاهد دخول المستوطنين ليلا باستخدام الجرافات والآليات الزراعية لحراثة الأرض وإعادة تشكيلها، وسط خوف دائم من أن يتحول السهل الزراعي إلى بؤرة استيطانية مغلقة بالكامل.
وفي البلدة، لا تقاس الخسارة بعدد الأشجار فقط، بل بما تمثله شجرة الزيتون من ذاكرة ممتدة بين الأجيال، فهي ليست مجرد مصدر رزق، بل شاهد حي على علاقة السكان بأرضهم، لذلك، حين تُقتلع الأشجار، يشعر الأهالي أن جزءا من تاريخهم ينتزع بصمت، وأن المشهد يتجاوز حدود الزراعة إلى معنى أعمق يرتبط بالهوية والانتماء.
ووسط هذا الواقع، يعيش السكان حالة من القلق المستمر من توسع رقعة الاستهداف، في ظل ما يصفونه بصمت دولي يترك الأرض مكشوفة أمام تغييرات جذرية تفرض على الأرض تحت جنح الظلام، بينما يبقى السؤال الأكبر معلقا في سهل ترمسعيا: كم من الزيتون يجب أن يُقتلع قبل أن يتوقف المشهد عن التكرار؟







