مباحثات مصرية سورية بالقاهرة تفتح افاقا للتعاون الاقتصادي

شهدت القاهرة جولة مشاورات مصرية سورية على مستوى وزيري الخارجية، وتعد هذه المشاورات الاولى من نوعها منذ احداث التغيير السياسي في سوريا.
وجاءت هذه المشاورات عقب لقاء جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنظيره السوري أحمد الشرع في قبرص، ووصفته وسائل الإعلام بالودي.
وتضمنت الزيارة محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني، ويتوقع لها أن تحمل مؤشرات تقارب حقيقية تتجاوز الجمود في العلاقات، بحسب خبراء من البلدين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، متوقعين توسع التعاون في المجال الاقتصادي، خاصة مع حضور وزيري الصناعة من الجانبين.
وتعتبر زيارة الشيباني الأولى الرسمية إلى مصر، في حين جرى أول اتصال رسمي بين وزيري الخارجية في نهاية ديسمبر.
وتاتي الزيارة بعد أيام من لقاء الشرع والسيسي على هامش القمة التشاورية العربية الأوروبية التي عقدت في قبرص، وكان الجانبان قد التقيا لأول مرة على هامش القمة العربية الطارئة في القاهرة.
ومنذ التغيير السياسي في سوريا، بدأت العلاقات المصرية السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة، بسبب مخاوف مصرية من ملفات معينة، قبل أن يتطور الأمر تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.
وسبق أن زار وفد تجاري مصري دمشق في بداية العام، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات، وبحث التعاون مع نظيره السوري خلال ملتقى اقتصادي مشترك بين البلدين، وذلك بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا بهدف توليد الكهرباء.
وبين تلفزيون سوريا أن زيارة الشيباني تعكس حراكاً دبلوماسياً لافتاً بين دمشق والقاهرة، وتعد اختباراً جديداً لإمكانية إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين بعد فترة من الجمود، لافتاً إلى أن الدولتين تتجهان إلى الدفع بالعلاقة نحو مرحلة أكثر استقراراً بعد تعثر سابق حال دون استكمال عودتها بشكل رسمي، لا سيما في ملف اعتماد الدبلوماسيين.
وبمناسبة الزيارة، أصدر وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار قراراً بتشكيل مجلس الأعمال السوري المصري عن الجانب السوري، وكلف غسان كريم رئيساً للمجلس.
وياتي تشكيل المجلس السوري المصري بناء على أحكام القرار الرئاسي وعلى النظام الأساسي لمجالس الأعمال السورية المشتركة مع دول العالم، حسب ما نشرته وزارة الاقتصاد والصناعة عبر معرفاتها الرسمية.
واشارت الوزارة إلى أن المجلس يعد هو الوحيد مع الجانب المصري المعتمد من قبل وزارة الاقتصاد والصناعة لتنسيق وتنظيم وتطوير مجالس الأعمال المشتركة السورية مع دول العالم.
ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي أن زيارة وزير الخارجية السوري إلى القاهرة تمثل مؤشراً إيجابياً على تحرك تدريجي نحو كسر الجمود في العلاقات المصرية السورية.
ويعتقد أن خطوة نحو رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي ستظل مرهونة بتقدم ملموس في الملفات الأمنية والمؤسسية داخل سوريا، وعلى رأسها ضمان استقرار الدولة الوطنية وضبط البيئة الأمنية وتكريس سيادة المؤسسات.
واكد حجازي أن الاقتصاد سيكون باباً لمزيد من التعاون أولاً، خاصة أن هناك فرصاً حقيقية للتعاون، لا سيما في مجالات إعادة الإعمار والطاقة والتجارة وبناء القدرات، وهذا الباب يمكن أن يشكل مدخلاً عملياً لتعزيز الثقة المتبادلة.
ويرى المحلل السياسي السوري عبد الله الحمد أن زيارة الشيباني تحمل فرصاً لكسر الجمود والتقارب مع مصر الدولة ذات الثقل وصنع القرار في المنطقة، متوقعاً التوصل لمستوى من العلاقات الدافئة في ضوء أحاديث عن حدوث لقاءات أمنية سرية سبقت اللقاء لترتيب أجندة التعاون والتقارب خلال الفترة المقبلة.
ولفت إلى أنه سبق ذلك حدوث اللقاء الاقتصادي بين البلدين، واستقبل الرئيس الشرع الوفد المصري، ولذا سيكون الاقتصاد مساراً مهماً لتنامي العلاقات بشكل واسع وسيكون البوابة الأمثل لتعزيز التعاون.
وبالفعل، كشف بيان لوزارة الخارجية المصرية أن عبد العاطي والشيباني عقدا جلسة مباحثات موسعة بمشاركة وزيري الصناعة والاقتصاد من الجانبين تناولت سبل تعزيز مسار العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف إزاء التطورات الإقليمية الراهنة.
وحملت كلمة الوزير المصري تأكيداً على دعم مصري متواصل لسوريا وعمق الروابط التاريخية والشعبية والثقافية التي تجمع البلدين، مشيراً إلى أن موقف القاهرة تجاه الأزمة السورية استند منذ اندلاعها إلى مبادئ واضحة تنطلق من الحرص الصادق على دعم الجهود الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة سوريا وتماسك نسيجها الوطني.
وشدد عبد العاطي على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية السورية ورفض أي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية وتضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بصوره وأشكاله كافة والتعامل مع ظاهرة المقاتلين الأجانب وأن تكون سوريا مصدراً للاستقرار.
على الصعيد الإقليمي، أعرب عبد العاطي عن رفض مصر القاطع لانتهاكات إسرائيل السافرة للسيادة السورية، مجدداً إدانة مصر التامة لهذه الانتهاكات ومشدداً على موقف مصر الثابت والداعم لضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.
وناقشت المباحثات التطورات الإقليمية المتسارعة، بما في ذلك مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمساعي المبذولة لخفض التصعيد واحتواء حالة الاحتقان، كما تم تبادل الرؤى حول تطورات الأوضاع في لبنان.
وفي ضوء ذلك التعاون الاقتصادي والتشاور الإقليمي، يعتقد حجازي أن التقارب ممكن، لكنه سيتقدم وفق نهج تدريجي حذر يوازن بين الفرص والتحديات في ظل تعقيدات الإقليم ومستقبل الأوضاع في سوريا واستقرارها.
وشدد حجازي على أنه من الضروري أن نتذكر دوماً أن سوريا في الأساس هي في قلب وعقل الدبلوماسية المصرية ويرتبط بها كل مصري بوشائج الود والترحيب والأمل في استقرارها وعودتها رصيداً لأمتها العربية.
ويعتقد المحلل السياسي عبد الله الحمد أن ملفات اقتصادية وأمنية وحزم تنسيق دبلوماسي في ظل الخطر الإسرائيلي الذي يهدد المنطقة ستكون في أولوية البلدين مع معالجة أي تخوفات مصرية بالتوازي، خصوصاً أن دمشق تمر بمرحلة انتقالية من الثورة لبناء الدولة وجاهزة لحل أي تحديات قد تواجه علاقات البلدين.







