تطورات العنف في مالي تثير قلق الليبيين بشأن الأمن الإقليمي

يتابع الليبيون بقلق بالغ التصاعد المستمر لأعمال العنف في مالي. حيث تزايدت حدة الأحداث بعد سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة على مناطق استراتيجية. وأشار الجيش الوطني الليبي إلى رصد وجود قيادي مسلح ينفذ عمليات داخل الأراضي المالية، سبق أن تواجد في الجنوب الليبي قبل مغادرته منذ عدة سنوات.
وشددت التحذيرات على تنامي التهديدات الأمنية المحتملة القادمة من منطقة الساحل والصحراء. حيث تزايد نفوذ التحالفات التي تضم حركات طوارق انفصالية وتنظيمات متشددة. ومن بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. والتي تبنت في الآونة الأخيرة هجمات واسعة ضد المواقع العسكرية والحكومية.
قال مصدر عسكري بارز يتبع الجيش الوطني الليبي إن الوضع في مالي يثير القلق. باعتبارها جزءا من نطاق الساحل والصحراء المرتبط أمنيا بالجنوب الليبي. مما يجعل أي تصعيد هناك مصدرا محتملا للتهديد. خصوصا مع إمكانية تسلل عناصر متطرفة عبر الحدود الليبية الجنوبية.
وأضاف المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته أن المؤشرات الميدانية تعزز هذه المخاوف. حيث تم رصد عنصر شارك في المعارك داخل مالي وكان قد تواجد في الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية. مشيرا إلى أن أحد القادة الذين شاركوا في الهجوم على مدينة كيدال في مالي، ويدعى إيلا أق عبد الرحمن، كان قد تواجد سابقا في مدينة أوباري بالجنوب الليبي.
كما تلقت الجهات المعنية تسجيلا مصورا منسوبا إلى القيادي المذكور، يظهره وهو يعلن تحقيق انتصار على ما وصفهم بالطواغيت في منطقة كيدال شمال مالي.
وكان الجيش الوطني الليبي قد نفذ قبل نحو خمسة أعوام عمليات أمنية مستهدفة عناصر تابعة لتنظيمي القاعدة وداعش في الجنوب الليبي. حيث شملت هذه العمليات مناطق سبها وغدوة وأوباري وأم الأرانب ومرزق. وأسفرت عن توقيف عدد من العناصر والقيادات البارزة بعد تصاعد نشاط تلك المجموعات في محيط حوض مرزق منذ عام 2014.
ولا تختلف تقديرات العسكريين والمحللين حول مدى استفادة المجموعات المتشددة وشبكات التهريب من هشاشة الوضع الأمني واتساع الحدود في الجنوب الليبي، في ظل الانقسام العسكري والسياسي المستمر منذ عام 2011.
ورأى المصدر العسكري أن التطورات الأخيرة في مالي تعزز المخاوف من التهديدات العابرة للحدود. مشيرا إلى وجود تمويل غير مشروع يخرج من ليبيا إلى مجموعات انفصالية وإرهابية في المنطقة. حيث تطلق تلك الجماعات على هذه الموارد اسم بيت المال ليبيا.
وأكد المصدر وجود تعليمات مشددة لحرس الحدود للتصدي لأي تهديد محتمل. مشيرا إلى أن القيادة العامة للجيش تدرك طبيعة تحركات الجماعات الإرهابية التي تدعي امتلاك امتدادات داخل الأراضي الليبية.
من جهته، لم يستبعد وزير الدفاع الليبي السابق محمد البرغثي تمركز عناصر إرهابية وشبكات تهريب. بما في ذلك مجموعات مرتبطة بتنظيم القاعدة في ما يعرف بمثلث السلفادور على الحدود الجنوبية الغربية مع الجزائر والنيجر وتشاد. موضحا أن مالي ليست بعيدة عن هذا النطاق الجغرافي.
وفي بلد يعاني انقساما سياسيا بين حكومتين في الشرق والغرب، لم يقتصر الاهتمام بالتطورات في مالي على الجانب العسكري، بل امتد إلى التحركات الدبلوماسية. فقد أجري اتصال هاتفي بين وزير الخارجية في شرق ليبيا عبد الهادي الحويج ونظيره المالي عقب الهجوم الذي استهدف مدينة كاتي، وأكد الحويج دعم بلاده لجهود تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.
في المقابل، ربطت قراءات سياسية بين التطورات الجارية في مالي وتداعيات انهيار الدولة الليبية بعد أحداث 2011. حيث اعتبر السياسي الليبي موسى إبراهيم أن ما تشهده مالي يمثل تداعيات سقوط الدولة الليبية. مشيرا إلى أن تفكك ليبيا أدى إلى تدفق السلاح والمقاتلين نحو منطقة الساحل.
أما الإعلامي خليل الحاسي فقد استعاد مشاهد من الفترة بين عامي 2012 و2015، قائلا إن مساجد بنغازي ودرنة كانت تدعو إلى نصرة المقاتلين في مالي في وقت سيطرة المجموعات الإرهابية على الشرق الليبي. مضيفا أن الجنوب الليبي يشهد حاليا سيناريو مشابها عبر تحالفات غير معلنة بين مجموعات محلية وتنظيمات متطرفة.
وفي المجمل، تتفق التقديرات الليبية على خطورة انعكاسات الوضع في مالي على منظومة الأمن القومي الليبي. حيث اعتبر المحلل السياسي فيصل أبوالرايقة أن ما يجري في مالي والنيجر لم يعد بعيدا عن ليبيا. مشيرا إلى أن منطقة الساحل تتحول تدريجيا إلى مصدر تهديد مباشر للأمن القومي الليبي.
وأوضح أبوالرايقة أن التأثير يتجلى في ثلاثة مسارات رئيسية. هي تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب. وتمدد النفوذ الروسي في مالي والنيجر. إلى جانب عودة الاهتمام الأميركي والغربي بمنطقة الساحل عبر البوابة الليبية. مؤكدا أن قراءة الجنوب الليبي بمعزل عن تطورات الساحل تعني تجاهل نصف المشهد.







