القدس القديمة: ذاكرة حية تتحدى محاولات التغيير

في قلب البلدة القديمة من القدس، حيث تتداخل الأزقة الحجرية مع الحكايات المتنوعة، تستمر الذاكرة في الحفاظ على تاريخها رغم التحولات الجذرية التي شهدتها المدينة خلال القرن الماضي. يشير التقرير إلى أن هذه المدينة لا يمكن فهمها من الخرائط الحديثة، بل من خلال وجوه سكانها وأصواتهم.
تقول مراسلة الجزيرة من القدس منى العمري: "لو كنت هنا قبل 100 عام وسألت عن أحياء اليهود والنصارى والمسلمين، لكان الناس ينظرون إليك باستغراب، لأن المدينة لم تكن تعرف نفسها بهذه الأسماء". هذه الكلمات تفتح باب الفهم لمدينة اعتادت على التداخل الطبيعي بين الثقافات والعقائد.
ويؤكد أحد سكان البلدة القديمة: "نحن العرب هنا، هذه المنطقة كانت كلها لنا، واليوم، من هم هنا؟ اليهود". هذه الشهادة تلخص التغيرات الديموغرافية والسياسية التي حدثت عبر السنين.
توضح منى العمري أن فكرة تقسيم الأحياء بناء على الدين هي فكرة حديثة جاءت مع الأوروبيين، وكانت تسهم في سياسة "فرق تسد" التي دعمها الانتداب البريطاني والاحتلال الإسرائيلي. في مدينة مثل القدس، التي نشأت على التداخل بين البشر والعقائد، كان الفصل أمرًا صعبًا.
في محيط المسجد الأقصى، تمتد الأحياء الإسلامية، بينما تتجمع الكنائس حول كنيسة القيامة، لكن التداخل العمراني يبقى السمة الغالبة. تشير العمري إلى أن "هذه المساجد تقع في حارة النصارى، وهذه الكنائس تصطف بجوار الحي الإسلامي، مما يعكس واقعًا معقدًا يتجاوز أي تقسيم".
أما ما يُعرف اليوم بحارة اليهود، فقد كانت تشكل نسبة ضئيلة من حارة الشرف قبل عام 1948، لكن الأحداث بعد ذلك غيرت ملامح المكان. تضيف العمري أن الاحتلال الإسرائيلي هدم حي المغاربة وما يحيط به من أملاك ليست يهودية.
المسجد العمري، الشاهد على حارة الشرف، يقف كدليل على التاريخ. تقول العمري: "هذا المسجد هو الشاهد الأخير على ما كان يعرف هنا بحارة الشرف، وقد بني حي اليهود على أنقاضه". القصة لا تتوقف هنا، بل تمتد إلى صراع قانوني وإنساني معقد.
في السبعينيات، اقتحمت القوات الإسرائيلية بيت عائلة برقان التي تملك عقارها منذ 200 عام، وحاولت إجبارهم على الإخلاء، لكن العائلة تمسكت بحقها. رغم أن المحكمة العليا أقرت بملكية العائلة، إلا أنها أضافت بندًا يمنع غير اليهود من السكن في حارة اليهود، مما يعكس مفارقة قانونية تشدد على جوهر الصراع.
المحامي محمد دحله يشير إلى أن المستوطنين لا يسكنون هذه البؤر إلا بوجود حراسة مشددة، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا على الجمعيات الاستيطانية ودافعي الضرائب الإسرائيليين. ورغم ذلك، يرى الباحث نظمي الجعبة أن المشروع الاستيطاني لم يحقق أهدافه بشكل كامل، حيث لا يجذب الإسرائيليين للسكن في هذه المناطق.
الأرقام تكشف جوانب أخرى من القصة، حيث تشير العمري إلى أن عدد أملاك اليهود التي رصدتها الحكومة الأردنية بين عامي 1948 و1967 كان 192 عقارًا، أي ما نسبته 2% فقط من جميع عقارات البلدة القديمة، رغم أن السيطرة توسعت بعد ذلك.
أحد أصحاب العقارات، المعروف بـ"أبو خديجة"، يروي تجربته مع عروض الشراء، مشيرًا إلى رفضه لعرض بقيمة 40 مليون دولار، ويلقي تساؤلات حول كيفية بيع ما لا يملك. هذه المعارك تعكس حربًا تحت عنوان "الديموغرافيا والسيطرة على الحيز العام"، حرب لا تخاض فقط بالقوانين، بل بالرموز والهوية.
محمد دحله يؤكد أهمية رموز المدينة كالأذان ومآذنها، في مواجهة محاولات الاحتلال لإبراز الهوية الإسرائيلية. ويشير إلى "حرب المطلات"، حيث يتجلى التحدي في الهوية بين القبتين اليهوديتين وقبة الصخرة. رغم كل التحولات، تبقى العلاقة بين الإنسان والمكان عصية على التغيير، حيث يعبر أحد السكان عن ولعه بمدينته، مؤكدًا أنه لا يمكن لأحد أن يبيع في القدس.
البلدة القديمة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل حكاية مستمرة تُكتب كل يوم، تحكي عن ذاكرة تحاول أن تبقى في وجه واقع يسعى إلى إعادة صياغتها.







