السودان: التجار ينهضون من "محرقة الحرب" وخسائر تتجاوز 100 مليار دولار

في مشهد يجسد إرادة البقاء، بدأت مدينة أم درمان العريقة، غرب العاصمة السودانية الخرطوم، مطلع عام 2026، رحلة شاقة للتعافي من رماد الحرب التي اندلعت في أبريل 2023. ورغم الدمار الشامل الذي طال البنية التحتية، عاد تجار السوق التاريخية، التي يعود تاريخها لنحو قرنين من الزمان، لفتح محلاتهم بأيدٍ عارية وجيوب أرهقتها سنوات النزوح والنهب، متحدين آثار القصف العشوائي والحرائق التي طالت الشوارع الشهيرة مثل "سوق اليهود" وشارع المكتبات.
محرقة السوق التاريخي وحجم الخسائر قدرت الغرفة التجارية السودانية حجم الخسائر التي لحقت بسوق أم درمان بأكثر من 100 مليار دولار. وأوضح الفاضل عثمان، عضو الغرفة، أن الحرب لم تكتفِ بتدمير المحلات، بل طالت المخازن البديلة في الأحياء والولايات، مما جعل رحلة العودة بمثابة "بداية من الصفر" لآلاف التجار. ورغم هذه القسوة، أكدت الغرفة عودة نحو 90% من التجار حالياً لممارسة نشاطهم، وسط إجراءات أمنية مشددة تشمل تخصيص عنصرين من الشرطة لكل شارع، مع الالتزام بإغلاق المحلات عند السادسة مساءً لتفادي أي اعتداءات طارئة.
تحديات التشغيل: الطاقة الشمسية كبديل للاستمرارية يعاني العائدون إلى السوق من انقطاع شبه كامل لخدمات الكهرباء والمياه، مما دفع الغالبية العظمى من التجار، مثل أنور البشير وحمزة علي، إلى الاعتماد الكلي على الطاقة الشمسية لتشغيل محلاتهم. وفي ظل غياب المؤسسات الحكومية التي لا تزال تعمل من "بورتسودان" (العاصمة الإدارية المؤقتة)، يواجه قطاع المكتبات والمنسوجات ركوداً نسبياً، وسط مطالبات للحكومة بتقديم إعفاءات ضريبية جزئية لتعويض التجار عن فقدان مدخرات تجاوزت 20 عاماً من العمل، وتوفير بيئة صحية لمكافحة الأوبئة والبعوض التي خلفها تردي الخدمات.
رمزية التنوع والتعايش تظل سوق أم درمان نموذجاً مصغراً للسودان القومي، حيث يحاول التجار الحفاظ على هويتها التي جمعت عبر التاريخ الهنود والأقباط واليمنيين واليهود. ورغم زوال معالم شهيرة مثل "دكان اليماني" أو "محل العدني" فعلياً بسبب القصف والنهب، إلا أنها لا تزال حية في ذاكرة الزبائن والسياح كعلامات دالة. ويؤكد محمد حسين، صاحب محل مجوهرات تعرض للتنكيل والتهجير القسري على يد عناصر "الدعم السريع"، أن العودة هي السبيل الوحيد لكسر الآثار النفسية للحرب وإنعاش قلب السودان النابض من جديد.







