البنتاغون يوجه أنظاره نحو عمالقة صناعة السيارات لتعزيز القدرات العسكرية

في تحول يعكس تداعيات الحرب العالمية الثانية، تواجه شركات صناعة السيارات الأمريكية ضغوطا متزايدة من وزارة الدفاع (البنتاغون) للمشاركة بشكل أعمق في إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية.
هذه الضغوط لا تقتصر فقط على إنتاج المركبات التكتيكية الخفيفة، بل تمتد لتشمل الذخائر والطائرات المسيرة والصواريخ الدفاعية.
هذا التوجه، الذي تقوده الإدارة الأمريكية، يمثل تحولا استراتيجيا في الصناعة العسكرية الأمريكية، بهدف الاستفادة من خطوط الإنتاج المدنية لسد النقص في مخزونات الأسلحة.
وكشفت تقارير أن مسؤولين رفيعي المستوى في البنتاغون عقدوا اجتماعات مع الرؤساء التنفيذيين لشركتي جنرال موتورز وفورد، معتمدين على قانون الإنتاج الدفاعي لتوجيه الشركات الخاصة لتلبية احتياجات الأمن القومي.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا شركات السيارات تحديدا؟
الجواب يكمن في حجمها الهندسي الهائل، وقدراتها اللوجستية المتطورة، وخبرتها في إدارة سلاسل التوريد المعقدة.
ففي ظل استنزاف مخازن الأسلحة الأمريكية، يبدو أن البنتاغون توصل إلى قناعة بأن خطوط إنتاج السيارات يمكن أن تتحول بسرعة إلى خطوط لتجميع الطائرات المسيرة والصواريخ التكتيكية.
وتشير التقارير إلى اهتمام خاص بتقنيات التصنيع المتقدمة التي تمتلكها هذه الشركات، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي يمكن أن تسرع إنتاج مكونات الأسلحة المعقدة بتكلفة أقل.
ويمتلك قطاع السيارات ثلاث مزايا رئيسية تفتقدها شركات السلاح التقليدية، وهي القدرة العالية على التوسع، والخبرة في الأنظمة الذاتية، وإدارة سلاسل الإمداد.
وقد يتساءل البعض، لماذا تلجأ الحكومة الأمريكية إلى شركات السيارات وهي تمتلك أكبر مقاولي دفاع في العالم؟
الاجابة تكمن في حسابات الاستنزاف، فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا، نقلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو كميات كبيرة من الذخائر إلى كييف.
ياتي هذا في ظل سعي الإدارة الأمريكية لتمرير ميزانية دفاعية قياسية تصل إلى 1.5 تريليون دولار لعام 2027.
هذا المبلغ الضخم ليس موجها فقط لشراء المقاتلات وحاملات الطائرات، بل الجزء الأكبر منه سيضخ في توسيع خطوط إنتاج الذخائر والطائرات المسيرة.
وتتباين مواقف عملاقي صناعة السيارات في ديترويت تجاه هذا التوجه الاستراتيجي، ما يعكس هوية كل منهما وتاريخها المؤسسي.
وتمتلك جنرال موتورز ذراعا دفاعية متخصصة تعرف باسم جي إم ديفنس (GM Defense)، وهي تقوم حاليا بتصنيع مركبة فرقة المشاة لصالح الجيش الأمريكي.
كما تعمل الشركة على تطوير مركبات كهربائية تكتيكية من الجيل التالي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.
والأكثر من ذلك، فإن شراكات جنرال موتورز مع وكالة ناسا في تطوير مركبات قمرية تمنحها خبرة فريدة في أنظمة القيادة الذاتية والبطاريات عالية التحمل.
وعلى الجانب الآخر، تبرز شركة فورد التي ارتبط اسمها بمؤسسها هنري فورد، وهي الشركة التي استندت إلى إرث تاريخي خلال الحرب العالمية الثانية، حين حقق مصنعها في ويلو رن إنجازا بإنتاج قاذفة قنابل كل ساعة.
أما في الوقت الراهن، فتتبنى فورد نهجا مختلفا، إذ لا تمتلك قطاعا دفاعيا مستقلا داخل هيكلها التنظيمي، بل تعتمد على التعاون مع أطراف خارجية لتعديل شاحناتها ومركباتها ذات الدفع الرباعي.
ورفضت فورد التعليق رسميا على التقارير التي تتحدث عن مشاركتها في هذه المباحثات، مكتفية بالصمت.
هذا الصمت قد يعكس حذرا من رد فعل المستهلكين أو المستثمرين تجاه الانخراط العميق في آلة الحرب.
ومع ذلك، فإن قدرة فورد الإنتاجية الهائلة تبقى ورقة ضغط في يد البنتاغون.
ما يدور اليوم بين أروقة البنتاغون ومكاتب ديترويت التنفيذية يتجاوز كونه مجرد صفقات تجارية، بل هو بمثابة إعادة رسم لخريطة الأمن القومي الصناعي.
ومع توجه الشركات لتنويع مصادر دخلها عبر إنتاج طائرات مسيرة انتحارية أو مدرعات كهربائية صامتة جنبا إلى جنب مع السيارات العائلية.
هذا التحول نحو عسكرة الصناعة لن يمر دون ثمن، إذ قد يؤدي توجيه الموارد نحو العقود العسكرية إلى نقص المعروض المدني وارتفاع أسعار السيارات.
كما أن الضغوط الحكومية الحالية ليست مجرد تعاون عابر، بل هي إعادة هيكلة للدور الذي تلعبه شركات السيارات في الاقتصاد العالمي.
وبينما تتشكل ملامح عصر المجمع الصناعي للسيارات، يبقى التحدي الأكبر في المخاطرة الأخلاقية وتغيير هوية العلامات التجارية العالمية.







