الناتو يعيد هيكلة دفاعاته السيبرانية بشراكة استراتيجية مع كريست

في تحول جيوسياسي ملحوظ، أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) عن توسيع شراكته مع منظمة "كريست" الدولية المتخصصة في الأمن السيبراني، وذلك في خطوة يصفها الخبراء بالاندماج الاستراتيجي بين العسكر والتكنولوجيا، بهدف تأمين سلاسل الإمداد وخطوطه الخلفية الرقمية.
ووفقا لتقرير صادر عن "مركز التميز للدفاع السيبراني التعاوني التابع للناتو"، فإن الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية اللوجستية للحلف قد شهدت ارتفاعا بنسبة 240% خلال العامين الماضيين، إذ لم تعد الهجمات مقتصرة على الرادارات، بل امتدت لتشمل الأنظمة المسؤولة عن نقل الوقود وتوزيع الذخيرة وتشفير اتصالات الأقمار الصناعية.
وقال إيان غلوفر، كبير المستشارين في منظمة "كريست" غير الربحية، إن المعركة اليوم لا تبدأ عند إطلاق النار، بل عندما يحاول الخصم اختراق خادم لوجستي لتعطيل وصول الإمدادات إلى الجبهة، مؤكدا أن المنظمة تسعى لضمان أن تكون هذه الخوادم حصينة كالحصون الجبلية.
وتعتمد استراتيجية الناتو الجديدة، بناء على بيانات من "وكالة الناتو للاتصالات والمعلومات"، على ثلاثة محاور تقنية رئيسية تنفذها الشركات المعتمدة من "كريست".
وشدد على أن المحور الأول يتمثل في اختبارات الاختراق الأخلاقية، حيث يقوم خبراء "كريست" بمحاكاة هجمات سيبرانية شاملة تحاكي أساليب مجموعات "التهديدات المتقدمة المستمرة" المدعومة من دول معادية، لاكتشاف الثغرات في أنظمة القيادة والسيطرة.
واضاف أن المحور الثاني هو تأمين سلاسل التوريد، مبينا أن الناتو بات يفرض معايير "كريست" على جميع الموردين المدنيين الذين يتعاملون مع الحلف، لضمان عدم وجود "أبواب خلفية" في البرمجيات الموردة.
وبين أن المحور الثالث يركز على الاستجابة الفورية للحوادث، من خلال وضع بروتوكولات تعتمد على معايير أيزو/آي إي سي 27001 (ISO/IEC 27001) المحدثة، لضمان استمرارية العمل حتى في حال وقوع اختراق جزئي.
ويرى المحللون في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن استعانة الناتو بـ"كريست" تمثل انتقالا من "الدفاع السلبي" (انتظار الهجوم) إلى "الصمود النشط"، إذ تتضمن هذه العملية استخدام تقنيات "التوائم الرقمية"، حيث تُنشأ نسخة افتراضية من شبكة الناتو اللوجستية لاختبار مدى تحملها للهجمات قبل تطبيق إجراءات الحماية على الشبكة الحقيقية.
وعلى الرغم من الإشادات، تبرز أصوات محذرة، ففي مقال تحليلي لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، طُرحت تساؤلات حول مدى أمان الاعتماد على خبراء من خارج السلك العسكري، متسائلين عما إذا كان يمكن لمنظمة مدنية مثل "كريست" أن تطلع على أسرار عسكرية حساسة، بالإضافة إلى أن "كريست" تضم خبراء من جنسيات مختلفة، مما قد يثير مخاوف بشأن "التجسس المضاد".
لكن الناتو رد عبر المتحدث الرسمي لقطاع الأمن السيبراني بأن "نظام الاعتماد لدى كريست يتوافق مع أعلى معايير التصنيف الأمني للحلف، مما يضمن ولاء وكفاءة الأفراد المشاركين".
ويؤكد الخبراء أن الانتقال من الخنادق إلى الخوادم ليس مجرد تغيير في الأدوات، بل هو تغيير في "عقيدة الحرب"، وبحسب تقرير "مؤسسة راند" الأمريكية للعام الحالي، فإن التحالفات العسكرية التي لن تنجح في دمج الخبرات التقنية المدنية -مثل "كريست"- في هيكلها الدفاعي، ستجد نفسها عاجزة أمام حروب الجيل السادس التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والحرب المعلوماتية.







