يوم الاسير الفلسطيني: قبضة امن اسرائيل تخنق فعاليات التضامن

منذ بداية الحرب على غزة في اكتوبر تشرين الاول الماضي، كثفت اسرائيل اجراءاتها الامنية تجاه فلسطينيي الداخل، وفرضت قيودا مشددة اثرت على مختلف جوانب الحياة العامة.
وفي ظل هذا التصعيد، تحولت المناسبات الوطنية، وخاصة فعاليات دعم الاسرى والتضامن معهم، الى مساحة مقيدة، حيث قمعت السلطات الاسرائيلية اي محاولات لاحيائها من خلال الملاحقات والتضييق والتشريعات التي وصفت بالعنصرية، وعلى راسها قانون اعدام الاسرى.
وتظهر الارقام هذا الواقع بوضوح، اذ يبلغ عدد الاسرى الفلسطينيين من فلسطينيي الداخل في السجون الاسرائيلية نحو 200 اسير، من بينهم 28 اسيرة، وذلك وفقا لمعطيات حديثة لنادي الاسير الفلسطيني، وبين هؤلاء، يقبع 20 اسيرا تحت احكام بالسجن لمدد طويلة، تتراوح بين المؤبد و40 عاما، من بينهم 7 من قدامى الاسرى الذين اعتقلوا قبل اتفاق اوسلو عام 1993 وما زالوا قابعين في الاسر حتى اليوم.
وفي سياق متصل، يتصاعد استخدام سياسة الاعتقال الاداري بشكل غير مسبوق، اذ كشف تقرير حقوقي حديث صادر عن مركز عدالة ان المحاكم الاسرائيلية نظرت في اكثر من 300 قضية اعتقال اداري بحق فلسطينيين من اراضي 48 منذ بداية الحرب، في مؤشر على اتساع نطاق استخدام اداة القمع هذه خلال فترات التوتر.
وبين القمع المباشر والاجراءات القانونية المشددة، وجد فلسطينيو الداخل انفسهم امام واقع جديد، اذ اصبحوا رهائن السجون الاسرائيلية والاعتقال الاداري، وشهدت مظاهر العمل الجماهيري تراجعا ملحوظا، كما غابت الفعاليات التي كانت تشكل ركيزة الهوية الوطنية وذاكرتها الحية.
وسط هذه التحديات، يقترب الاسير السابق قدري ابو واصل، من بلدة عرعرة في المثلث الشمالي، من عقده السابع، وهو مثقل بذاكرة طويلة من السجون والنضال، ففي سبعينيات القرن الماضي، كان شابا منخرطا في صفوف الفصائل الفلسطينية، قبل ان يعيش سنوات طويلة خلف القضبان الاسرائيلية.
وحين تحرر في منتصف الثمانينيات، لم يتخل عن التزامه، بل واصل نشاطه في صفوف الحركة الاسيرة داخل اراضي 48، التي شكلت على مدار اكثر من 4 عقود بوصلة للعمل الوطني وبيتا حاضنا للاسرى وقضاياهم وعائلاتهم والشعب الفلسطيني.
كان ابريل بالنسبة له موعدا سنويا يتجدد فيه المعنى، ويوم الاسير الفلسطيني لم يكن مجرد مناسبة، بل حالة شعبية نابضة، تمتد فعالياتها من القرى الى المدن، ومن البيوت الى الساحات.
واضاف ان شعلة الحرية كانت تضاء، والعائلات كانت تزار، والمسيرات كانت تجوب الشوارع، في مشهد يعكس تماسك الجماعة حول قضية الاسرى، لكن هذا العام، كما يروي ابو واصل للجزيرة نت، بدا كل شيء مختلفا، اذ خفتت الاصوات وغابت المراسم، وكأن المناسبة مرت كظل عابر في حياة فلسطينيي الداخل.
وبنبرة مثقلة بالحزن، يستعيد ابو واصل ما آلت اليه الاوضاع، حتى يوم الارض، الذي صادف 30 مارس الماضي، مر باهتا بلا مسيرات او ندوات، حيث الغيت المسيرة القطرية التي كانت تحتشد لها عشرات الالاف في الجليل الاعلى، وذلك تحت وطأة القبضة الامنية الاسرائيلية وذرائع حالة الطوارئ والحرب، وقال لم نعهد هذا من قبل وكأن الغياب ذاته بات حدثا يستحق التوثيق.
ويتحول صوت ابو واصل تدريجيا من الاسى الى غضب مكبوت، ويقول لا شعلة حرية ولا زيارات لعائلات الاسرى ولا مسيرات تجدد العهد، وكل ما كان يرمز للصمود والبقاء تلاشى فجأة.
ووصف ذلك الواقع بانه غريب على تجربة امتدت لاكثر من 5 عقود، حيث كان يوم الاسير اشبه بخلية نحل جماهيرية، اما اليوم، فقد صار مناسبة صامتة تخضع لحسابات الخوف والملاحقة، واضاف ان ما يجري منذ 7 اكتوبر الماضي لم يقتصر على تغييب الفعاليات، بل تجاوز ذلك الى خلق حالة عامة من الترهيب.
وتابع ابو واصل قائلا من يبادر لاي نشاط وطني يجد نفسه ملاحقا، مشيرا الى ان يوم الاسير تحول من مساحة للتعبير الى محطة للردع، ويربط هذا الواقع بعودة ملامح الحكم العسكري الذي عرفه الفلسطينيون في الداخل خلال ستينيات القرن الماضي، حيث كانت القبضة الامنية حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل الحياة.
وسجلت الاف حالات الاعتقال والملاحقة السياسية، الى جانب مئات اوامر الاعتقال الاداري بحق شبان ونشطاء من فلسطينيي الداخل، واحيانا بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، فمجرد التعبير عن موقف رافض للحرب او متضامن مع الاسرى قد يفتح ابواب التحقيق والسجن، في مشهد يعكس، كما يصفه ابو واصل، نكبة امنية يعيشها الداخل الفلسطيني.
ولا يقف الامر عند حدود الملاحقة، بل يمتد الى سياسات وتشريعات تستهدف الاسرى وعائلاتهم، من مصادرة المخصصات الى تشديد ظروف الاعتقال، وصولا الى العزل ومنع الزيارات العائلية لسنوات.
وفي ظل هذه السياسات، تغيرت حتى لحظات الفرح النادرة، ويروي ابو واصل قصة الاسير ابراهيم ابو مخ من باقة الغربية، الذي تحرر بعد 40 عاما من الاسر، لكن حريته جاءت بلا احتفال او صور، وبلا وداع يليق بتلك السنوات الثقيلة.
واكد ابو واصل قائلا هذا وحده يروي كل الحكاية، وكأن الصمت الذي رافق لحظة التحرر ابلغ من اي خطاب، وبين ذاكرة الماضي وواقع الحاضر، يقف الرجل شاهدا على تحول عميق، حيث لم تعد المناسبات الوطنية كما كانت، وليس الفرح ممكنا كما اريد له ان يكون.
ويستعيد المحامي فؤاد سلطاني، من بلدة الطيرة في المثلث الجنوبي، تفاصيل زمن كان فيه الشارع الفلسطيني في الداخل نابضا بالحياة، وتتقدّمه قضية الاسرى كعنوان جامع لا يختلف عليه احد.
وبصفته ناشطا وأحد المؤسسين لفعاليات الحركة الاسيرة، تحدث سلطاني للجزيرة نت عن تلك السنوات وكأنها مشهد متكامل، حيث كان هناك التفاف شعبي واسع وزخم جماهيري يملا الساحات وحضور كثيف يحول المناسبات الوطنية الى محطات فعلية لتجديد العهد مع القضية.
وفي ذاكرته، كان ابريل يحمل طابعا مختلفا، اذ كان اسبوعا كاملا من الفعاليات المتواصلة وندوات ومسيرات وزيارات لعائلات الاسرى، تتوج بايقاد شعلة الحرية وسط حضور عشرات الالاف.
واوضح ان تلك الشعلة لم تكن مجرد طقس رمزي، بل امتدادا لمسيرة العودة التقليدية وجسرا يصل الى احياء ذكرى النكبة الفلسطينية، وذلك تحت شعار راسخ نتذكر ولا ننسى.
وفي تلك اللحظات، كما يصفها سلطاني، كانت الهوية الوطنية تصاغ من جديد وتغرس في وعي الاجيال الشابة، لتبقى الذاكرة الجمعية حية وعصية على النسيان.
وبين ان مشهد الفعاليات بدا يتلاشى تدريجيا تحت وطأة واقع جديد فرضته القبضة الامنية الاسرائيلية المتصاعدة، ولم يعد الخوف حسب وصف سلطاني شعورا عابرا، بل حالة عامة تسكن تفاصيل الحياة اليومية في الداخل الفلسطيني، وخلقت الملاحقات السياسية والقضائية والتضييق على اي نشاط جماهيري فجوة بين الناس والساحات التي كانت تضج بهم يوما.
واشار سلطاني الى ان اي محاولة لاحياء مناسبة وطنية، حتى وان كانت سلمية، باتت محفوفة بالمخاطر، وأن الاحتجاجات والوقفات التي خرجت رفضا للحرب قوبلت بالقمع والاعتقالات، لتتحول ساحات التعبير الى مساحات للمواجهة مع الشرطة الاسرائيلية.
واوضح سلطاني نحن نتحدث عن انشطة انسانية سلمية، قبل ان يضيف ان كثيرا من الشبان وجدوا انفسهم فجأة في اروقة المحاكم او خلف القضبان، وبعضهم يواجه احكاما قاسية لمجرد مشاركته في حراك احتجاجي او تعبير عن راي.
وانتقل سلطاني في حديثه الى ما يجري خلف الجدران، حيث تبدو الصورة اكثر قتامة، فالاسرى، كما يروي، يعيشون في عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي، وفي ظروف قاسية تتجاوز حدود الاحتمال.
وتحدث عن شهادات جمعها من زيارات محدودة سمح له بها، عن عيون يملؤها الخوف ووجوه انهكها القهر، وقال هناك ممارسات لا يمكن للعقل ان يستوعبها واصفا واقعا يتقاطع فيه الالم الجسدي مع الانكسار النفسي، ليشكل ما يشبه الموت البطيء.
ويرى ان هذا الواقع لم يبق محصورا داخل السجون، بل امتد اثره الى الشارع الفلسطيني، فالحركة الاسيرة، التي كانت تشكل البوصلة والقلب النابض لمشروع التحرر، جرى اضعاف حضورها بفعل العزل والتضييق، ومع غياب صوت الاسرى ورسائلهم، دخل المجتمع في حالة من الارتباك، وكأن البوصلة التي كانت تهدي المسار قد غابت فجأة.
ولا يتوقف الامر عند هذا الحد، اذ يشير سلطاني الى ان الاستهداف طال ايضا عائلات الاسرى، التي باتت تعيش تحت ضغط الملاحقة والغرامات ومصادرة الممتلكات.
وفي ظل هذا الحصار المركب، تتراجع القدرة على الفعل الجماعي، ويغيب ذلك الزخم الذي كان يميز المناسبات الوطنية، وعلى راسها يوم الاسير.
واختتم المحامي سلطاني حديثه بنبرة تختلط فيها الحسرة بالواقعية قائلا لم يعد المشهد كما كان، فالمناسبات التي كانت تشكل مساحة جامعة للتعبير والانتماء تحولت الى ذكريات تستعاد اكثر مما تعاش، وبين ما كان وما هو كائن تتبدى حكاية تحول عميق، تختصرها شوارع خفتت فيها الاصوات وساحات تنتظر من يعيد اليها نبضها.







