هل يواجه نتنياهو مصير اوربان؟ قلق في اسرائيل بعد خسارة بودابست

لم تمر هزيمة رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان في الانتخابات الاخيرة مرور الكرام في اسرائيل، بل اعتبرت بمثابة جرس انذار سياسي يتجاوز حدود بودابست ليصل صداه الى تل ابيب.
فالرجل الذي كان يمثل نموذجا ملهما لليمين القومي الشعبوي والحليف الاقرب لبنيامين نتنياهو في اوروبا، يمر رئيس الوزراء الاسرائيلي نفسه بازمة ثقة داخلية وتراجع سياسي مستمر، اضافة الى محاكمة فساد لا تزال مستمرة.
ولهذا السبب، تحولت خسارة اوربان سريعا الى موضوع للمقارنة في اسرائيل، اذ تساءل البعض عما اذا كان نتنياهو سيواجه المصير نفسه، ام ان الاختلافات بين التجربتين تجعل المواجهة في اسرائيل اكثر تعقيدا وخطورة.
تكمن اهمية المقارنة في ان اوربان لم يكن مجرد حليف خارجي لنتنياهو، بل كان نموذجا سياسيا متكاملا.
وبحسب الكاتب دان بيري في معاريف، تبنى اوربان منذ عودته الى السلطة عام 2010 مفهوما يعتبر ان "الديمقراطية ليست سوى حكومة منتخبة"، بينما يصور حقوق الانسان وحماية الاقليات واستقلال القضاء والضوابط المؤسسية على انها ادوات تستخدمها "النخب لتقييد ارادة الشعب".
وضمن هذا التصور، "يصبح الاعلام المستقل عدو الشعب" ما لم يكن موجها لصالح الحاكم.
هذا بالضبط ما جعل اسم اوربان حاضرا بقوة في الخطاب الاسرائيلي الداخلي، خاصة منذ اندلاع معركة "الانقلاب القضائي" التي سعت حكومة نتنياهو من خلالها الى تقليص صلاحيات المحكمة العليا واضعاف استقلال القضاء.
واشار الكاتب الى ان اوربان "اضعف استقلال القضاء وهاجم الجهات الرقابية وجمع بين السلطة السياسية والمحسوبية الاقتصادية، والاهم من ذلك كله انه عزز نظاما اعلاميا لا يخضع للرقابة المباشرة، بل يتم توجيهه بعناية".
وما زاد من وقع الصدمة في اسرائيل ان اوربان لم يهزم على يد خصم ليبرالي كلاسيكي من خارج المنظومة، بل على يد منشق خرج من بيئته السياسية نفسها.
وهذه نقطة توقف عندها بيري مطولا عندما كتب ان اوربان "لم يهزم على يد ليبرالي كلاسيكي، بل على يد منشق عن حزبه سئم الفساد والجنون".
هذا التفصيل مهم جدا في السياق الاسرائيلي، لان خصوم نتنياهو يدركون ان اسقاطه لن يتحقق على الارجح عبر معسكر اليسار التقليدي وحده، بل عبر شخصية قادرة على اختراق جمهور الوسط واليمين وتقديم نفسها بوصفها بديلا من داخل المنظومة القومية نفسها، لكن من دون فساد او تدمير للمؤسسات.
وهذا الذي عكسته استطلاعات الراي الاسرائيلية بعد ظهور حزب بينت في العام الماضي، الذي بات يتصدر المنافسة امام الليكود وباقي مكونات ائتلاف اقصى اليمين.
هذا المعنى نفسه عززته افتتاحية صحيفة هارتس، التي رات ان الدرس المجري لا يكمن فقط في سقوط اوربان، بل في الالية التي افضت الى سقوطه.
وقد شددت الصحيفة الاسرائيلية في افتتاحيتها على ان الفوز الساحق الذي حققه بيتر ماجار كان حاسما لانه منع اوربان من الطعن في النتيجة ومنح الحزب الجديد قدرة على الغاء التغييرات التي احدثها اوربان في النظام.
وذهبت الى ان على المعارضة الاسرائيلية ان تتعلم من هذه التجربة وان تدرك ان "اسقاط اي حكومة لا يكون الا بتقديم بديل ايديولوجي وعملي".
لكن المقارنة مع اوربان لا تقود فقط الى التفاؤل بامكان اسقاط نتنياهو، بل الى الخوف من طريقة تعامله مع خسارة محتملة.
هنا يذهب مقال دان بيري في معاريف الى اكثر السيناريوهات حساسية، حين يقول ان نتنياهو بخلاف اوربان لن ينظر الى الانتخابات المقبلة باعتبارها "جولة اخرى"، بل "بدافع قلق وجودي"، وانه "يكاد لا يوجد خيار لن يفكر فيه".
ويتوقع الكاتب محاولات للاضرار بمشاركة الاحزاب العربية والتي تمثل فلسطينيي 1948، وتعد بيضة القبان فرادى او مجتمعة ضمن قائمة مشتركة في الانتخابات التي ستجرى بعد عدة شهور، ليس فقط عبر نزع الشرعية، بل عبر "خطوات فعلية تهدف الى اقصائها من الساحة السياسية".
ويمضي الكاتب ابعد من ذلك، متحدثا عن امكان ثني الناخبين العرب من فلسطينيي 1948 عن التصويت عبر خلق توترات، بل وحتى عنف على ارض الواقع.
الكاتب بارعام: هزيمة اوربان تثبت ان حتى الاستيلاء على النظام القانوني والقيود المفروضة على وسائل الاعلام الحرة والسيطرة بالقوة على الشرطة وقوات الامن لن تقف في طريق يوم الحساب
وفي هارتس، كتب عوزي بارعام بوضوح اكبر: "قد يسقط مثل اوربان"، فيما يعتقده الكاتب انه رهان سياسي يتشكل في اوساط المعارضة الاسرائيلية.
فيرى بارعام ان الدعم العلني الذي وفرته حكومة نتنياهو لنظام اوربان كشف بوضوح طبيعة المشروع الذي تتبناه: "القضاء على الديمقراطية الليبرالية في اسرائيل" من خلال "السيطرة على القضاء والاعلام والقضاء على استقلاليتهما لاسكات اي صوت معارض للحكومة".
ويرى الكاتب ان هزيمة اوربان تثبت ان حتى الاستيلاء على النظام القانوني والقيود المفروضة على وسائل الاعلام الحرة والسيطرة بالقوة على الشرطة وقوات الامن لن تقف في طريق يوم الحساب، اذا ستتحد المعارضة باكملها لانقاذ البلاد منه.
ويضيف ان نتنياهو يعلم ذلك جيدا، ولهذا يواصل حماية شركائه المشتبه بتورطهم في قضايا خطيرة، ويبقي قضايا العفو والولاءات والفساد حاضرة في قلب المشهد.
وبحسب نظر الكاتب، فان التجربة المجرية اثبتت ان حركة حقيقية ذات رسالة واضحة قادرة على كشف ابعاد تدمير المجتمع واحداث التغيير الجذري المطلوب.
ورغم حالة التفاؤل التي يبديها بيري وبرعام وهارتس فان تكرار التجربة المجرية الى اسرائيل ليس امرا سهلا.
فاسرائيل تعيش في ظل بيئة امنية وسياسية واجتماعية اكثر تعقيدا، يملك نتنياهو فيها الادوات الكاملة لقلب الطاولة ليس على المعارضة فحسب بل حتى على نتائج الانتخابات نفسها.
والصورة المصغرة التي تحدث داخل حزب الليكود نفسه تؤكد ذلك، فنتائج انتخابات مؤتمر الليكود الداخلية افرزت شخصيات غير موالية لنتنياهو لتنفجر اثر ذلك قنبلة تزوير الانتخابات الداخلية وما ترتب عليها من تحقيقات وصلت الى الرقابة الرسمية.
وحتى حروب نتنياهو المتواصلة على ساحات مختلفة تبقى اهم ادواته لخلق بيئة متوترة ستساعده حتى لتاجيل الانتخابات المتوقعة في نهاية اكتوبر تشرين الاول اذا راى ان حظوظه بالفوز غير مناسبة مستغلا حالة الخوف الوجودي والانقسام الداخلي من اجل تاجيل الحسم او اعادة تشكيله.
كذلك فان المعارضة الاسرائيلية مشتتة ومتنازعة مقارنة بالنموذج المجري الذي التف في النهاية حول زعيم واحد وخطاب مركزي واضح.
ويرى كتاب اسرائيليون ان التجربة المجرية لا تقدم وصفة جاهزة لاسقاط نتنياهو، لكنها تكسر صورة الزعيم الذي لا يهزم وتؤكد ان هندسة المؤسسات والاعلام والقضاء لا تكفي دائما لضمان البقاء.







