اجتماعات الربيع بواشنطن.. تحديات اقتصادية في ظل أزمات الشرق الأوسط

تتجه أنظار صناع السياسة الاقتصادية العالمية نحو واشنطن، حيث تنطلق اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين وسط تحديات جمة، وذلك لتقييم ومعالجة التداعيات الاقتصادية للحرب وتأثيرها على النمو في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
ويشارك وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في هذه الاجتماعات التي تأتي في ظل أجواء من الترقب والقلق، حيث يفرض الواقع الجيوسياسي المتوتر تداعياته على الاستقرار المالي العالمي، ويضع الاقتصاد العالمي في مواجهة مباشرة مع صدمات الطاقة والنمو، مما يجعل هذه الدورة فرصة لوضع خريطة طريق اقتصادية في ظل الأزمات.
وقبل انطلاق الاجتماعات، وجهت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، رسالة شديدة اللهجة للمشاركين، مؤكدة على ضرورة الاستعداد للصدمات، ومحذرة من أن المجتمع الدولي أصبح أقل قدرة على مواجهة الأزمات المتلاحقة، وبينت أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة حرجة، وأن آفاق النمو تتجه نحو الانخفاض.
وفي كلمتها الافتتاحية، قالت غورغييفا إن الاقتصاد العالمي يواجه اختبارا قاسيا نتيجة الصراع في الشرق الأوسط، وأوضحت أن نقص الوقود وارتفاع تكاليف الأسمدة يؤثر على النقل والتجارة، ويزيد من انعدام الأمن الغذائي، مما يدفع ملايين آخرين إلى الجوع.
وشددت غورغييفا على أهمية الاستجابات المنسقة، وحثت الحكومات على تجنب الإعانات غير الموجهة والتدابير الحمائية، واقترحت بدلا من ذلك تقديم دعم مؤقت للفئات الأكثر ضعفا.
ومن المقرر أن يصدر الصندوق تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، وسط توقعات بخفض تقديرات النمو العالمي نتيجة للحرب وتكاليف الطاقة، واظهرت التوقعات السابقة نموا بنسبة 3.3 في المئة هذا العام، ونموا بنسبة 2.1 في المئة في الولايات المتحدة، و1.4 في المئة في منطقة اليورو، و5.4 في المئة في جميع أنحاء آسيا الناشئة.
وفي خطوة استباقية لتعزيز قوته المالية، وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على الإبقاء على الحد الأدنى الحالي للأرصدة الوقائية عند 20 مليار وحدة سحب خاصة، وتهدف هذه الأرصدة إلى توفير حماية للصندوق من الخسائر المحتملة.
وأكد مديرو الصندوق أن حجم هذه الأرصدة تجاوز بالفعل 26 مليار وحدة سحب خاصة، ومع ذلك، حذر المديرون من أن توقعات دخل الصندوق تظل غير مؤكدة، خاصة مع المخاطر الناتجة عن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وتبدأ الاجتماعات بجلسات فنية مكثفة، حيث يشهد الصباح مؤتمر التمويل القائم على السوق بمشاركة رئيس هيئة الأوراق المالية الأميركية بول أتكينز، كما تُفتح ملفات الرقابة التشريعية على الديون بإشراف النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي دان كاتز، يتبعها الركن التحليلي الذي يسلط الضوء على قضية حساسة وهي تراجع المساعدات في أفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى بحث سبل تعميق التكامل التجاري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ كبديل للأسواق المضطربة.
ويعد يوم الثلاثاء اليوم الأهم إعلاميا وتقنيا، حيث سيعلن كبير الاقتصاديين في الصندوق، بيير أوليفيه غورينشاس، توقعات النمو العالمي الجديدة، يليها مباشرة تقرير الاستقرار المالي العالمي، وفي جلسة محورية بعنوان اقتصادات الشرق الأوسط في ظل الحرب، سيناقش نائب مديرة الصندوق، بو لي، مع ممثلي شركة بلاك روك سبل إدارة الصدمات الاقتصادية في المنطقة، كما سيشهد هذا اليوم نقاشات حول اقتصاديات الأتربة النادرة وتأثير الذكاء الاصطناعي على نمو أوروبا.
وينصب التركيز يوم الأربعاء على مواجهة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة، بمشاركة وزراء مالية من سويسرا وجامايكا، وسيكون الحدث الأبرز هو المؤتمر الصحافي لغورغييفا، التي ستعرض رؤيتها لإدارة الاختلالات العالمية، كما سيناقش وزير المالية القطري علي بن أحمد الكواري تجربة قطر في تحويل الصدمات إلى استراتيجيات نمو طويلة الأمد، في جلسة خاصة مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق الدكتور جهاد أزعور.
ويوم الخميس، تُعقد مناظرة الاقتصاد العالمي التي تجمع غورغييفا مع محافظ بنك فرنسا ووزير مالية تايلاند، تليها جلسة لوزير مالية اليونان حول أوروبا تحت الضغط.
وتتجه الأنظار يوم الجمعة إلى اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي تعد المحرك الاستراتيجي والذراع السياسية لصندوق النقد الدولي، وتكتسب أعمال اللجنة أهمية استثنائية في هذه الدورة، كونها تنعقد برئاسة وزير المالية السعودي محمد الجدعان، الذي يتولى مهمة دبلوماسية اقتصادية رفيعة لتقريب وجهات النظر بين القوى الكبرى والناشئة، وصياغة البيان الختامي الذي سيحدد بوصلة الاقتصاد العالمي للستة أشهر المقبلة.
ومن المتوقع أن تناقش اللجنة ملفات مفصلية ومنها إدارة صدمة الطاقة، حيث تسعى اللجنة لتنسيق السياسات النقدية والمالية لمنع انزلاق العالم نحو ركود تضخمي طويل الأمد، نتيجة تعطل إمدادات النفط والغاز عبر الممرات الحيوية، وهو ما يتطلب توازنا دقيقا بين كبح التضخم ودعم النمو، بالإضافة إلى معضلة الديون السيادية، والدفع نحو تفعيل الإطار المشترك لمعالجة ديون الدول التي وصلت لمرحلة العجز عن السداد، وملف تعزيز السيولة العالمية، وبحث إمكانية إجراء تخصيص جديد لحقوق السحب الخاصة.
ويرى مراقبون أن دور المملكة في رئاسة هذه اللجنة يمثل صمام أمان لضمان عدم تهميش احتياجات الجنوب العالمي وسط الصراعات الجيوسياسية، وسيكون المؤتمر الصحافي الختامي الذي سيعقده الجدعان مع غورغييفا يوم الجمعة هو اللحظة الحاسمة التي ستعلن فيها ملامح خريطة الطريق الجديدة.







