سفارات ليبيا في واجهة الجدل: استنزاف مالي وتعيينات "كسب الولاءات" تثير الغضب

أعاد تقرير حديث صدر عن ديوان المحاسبة الليبي مطلع عام 2026 فتح ملف "تضخم البعثات الدبلوماسية"، كاشفاً عن أرقام صادمة تظهر ارتفاع مخصصات رواتب العاملين بالسفارات في الخارج بنسبة 37% خلال عام 2024 لتتجاوز ملياري دينار ليبي. ويأتي هذا الارتفاع في وقت يعيش فيه البلاد حالة انقسام حكومي وأمني مستمر منذ سنوات، مما حوّل السلك الدبلوماسي، بحسب مراقبين، إلى أداة لـ "المحاصصة السياسية" والترضيات الاجتماعية والميليشياوية، وسط غياب تام لمعايير الجدارة والكفاءة في التعيينات التي تهيمن عليها السلطات في غرب البلاد لكسب ولاءات القوى النافذة.
واعتبر وكيل وزارة الخارجية السابق، حسن الصغير، في تصريحات لـ "الشرق الأوسط"، أن هذا التضخم يمثل "استنزافاً ممنهجاً" لميزانية الدولة، مرجعاً السبب إلى التوسع غير المبرر في استحداث بعثات دبلوماسية لا تلبي احتياجات فعلية. واتفق معه أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، مؤكداً أن الزيادة مبالغ فيها في ظل عجز مالي يقدر بـ 300 مليون دولار، واصفاً التوسع في البعثات بأنه "غير قانوني" ولم يحقق نجاحاً ملموساً يذكر في السياسة الخارجية الليبية، بل كرس مبدأ المحاصصة على حساب الأداء المؤسسي.
دفاع "الخارجية" وصراع الملاحق الفنية
في المقابل، دافعت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى عن أداء وزارة الخارجية، مؤكدة أن ميزانيتها تظل الأقل مقارنة بوزارتي الدفاع والداخلية التي تلتهم المليارات. وأوضحت المصادر أن الخلل الحقيقي يكمن في تدخل أطراف متعددة تفرض تعيينات من خارج السلك الدبلوماسي المحترف، حيث أن 10% فقط من العاملين في بعض البعثات هم موظفون أصليون للوزارة، بينما البقية يمثلون "ملاحق فنية وعسكرية وصحية" تتبع جهات أخرى لكنها تُحمل أعباءها المالية على وزارة الخارجية. كما كشف التقرير الرقابي عن ملاحظة لافتة تتعلق بارتفاع أعداد العمالة المحلية الأجنبية في البعثات بشكل يفوق عدد الدبلوماسيين أنفسهم.
ومع تصاعد موجة الانتقادات، لجأ نشطاء وسياسيون إلى القضاء للطعن في القوانين المنظمة للعمل الدبلوماسي، مطالبين بإصلاحات جذرية تشمل إغلاق السفارات غير الفاعلة وتقليص الكادر المتضخم. ورغم إجراءات التقشف التي أعلن عنها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة سابقاً، إلا أن الواقع الميداني مطلع عام 2026 يشير إلى أن السفارات الليبية لا تزال "ساحة خلفية" للصراع على النفوذ والمصالح، مما يضع سمعة الدبلوماسية الليبية على المحك في المحافل الدولية.







