الشرق الاوسط يواجه تحديات اقتصادية والبنك الدولي يرسم صورة قاتمة

خفض البنك الدولي توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2026 إلى النصف لتصل إلى 1.8 في المائة فقط، وذلك بعد أن كانت التقديرات السابقة تشير إلى 3.6 في المائة خلال يناير الماضي، ويعكس هذا التخفيض صورة قاتمة للمشهد الجيوسياسي.
وشمل هذا التخفيض جميع دول المنطقة، وجاء نتيجة لعدة عوامل أبرزها إغلاق مضيق هرمز واستهداف البنية التحتية للطاقة، وفي ظل هذا الوضع تباين أداء القوى الاقتصادية الكبرى في الخليج، مع بقاء السعودية الاقتصاد الأفضل أداء إقليمياً، رغم تقليص توقعات نموها إلى 3.1 في المائة بعد أن كانت 4.3 في المائة، بينما خيمت ظلال الانكماش على الاقتصادين القطري والكويتي نتيجة للشلل الذي أصاب إمدادات الغاز المسال وتعطيل صادرات النفط الخام من موانئ شمال الخليج.
ويرى البنك الدولي أن الصراع الأخير في الشرق الأوسط قد أحدث أضراراً اقتصادية جسيمة وفورية بدول المنطقة، وأوضح أن إغلاق مضيق هرمز وتدمير البنية التحتية للطاقة والبنية التحتية العامة أدى إلى اضطراب الأسواق وزيادة التقلبات المالية وإضعاف توقعات النمو لعام 2026، وذلك وفقاً لأحدث تقرير اقتصادي خاص بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان.
وتزامن إصدار التقرير مع موافقة الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين.
ويعتبر البنك الدولي هذا الصراع بمثابة صدمة إضافية لمنطقة تعاني أصلاً من انخفاض نمو الإنتاجية ومحدودية ديناميكية القطاع الخاص وتحديات مستمرة في سوق العمل، مما يؤكد الحاجة الملحة إلى تعزيز الحوكمة والأسس الاقتصادية الكلية واتخاذ إجراءات لخلق فرص العمل على المدى الطويل والقدرة على الصمود.
وباستثناء إيران، من المتوقع أن يتباطأ النمو الإجمالي في المنطقة من 4.0 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.8 في المائة خلال عام 2026، ويقل هذا التوقع بمقدار 2.4 نقطة مئوية عن توقعات البنك الدولي الصادرة في يناير، ويتركز هذا التراجع في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي والعراق التي تأثرت جميعها بشدة بالصراع، وقد تراجع معدل النمو في دول مجلس التعاون الخليجي بمقدار 3.1 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 4.4 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.3 في المائة خلال عام 2026.
وتراجعت توقعات النمو في دول مجلس التعاون الخليجي بمقدار 3.1 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 4.4 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.3 في المائة خلال عام 2026، وسجلت دول مجلس التعاون الخليجي التوقعات الاتية:
السعودية: تراجعت توقعات النمو لاقتصاد المملكة بمقدار 1.2 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 4.3 في المائة خلال عام 2025 إلى 3.1 في المائة خلال عام 2026، مع العلم أن توقعات المملكة هي الأفضل بين دول اقتصادات الخليج.
الامارات: تراجعت توقعات النمو للامارات بمقدار 2.7 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 5 في المائة خلال عام 2025 إلى 2.4 في المائة خلال عام 2026.
قطر: كان لافتا أن توقعات النمو للاقتصاد القطري شهدت انخفاضا كبيرا بمقدار 11.0 نقطة مئوية منذ يناير؛ إذ إنه يتوقع أن يسجل انكماشا بنسبة 5.7 في المائة من نمو إيجابي مقدر بـ5.3 في المائة، بسبب الأضرار الجسيمة التي تعرضت لها إمدادات الغاز السائل، وتعد قطر لاعبا محوريا في سوق الطاقة العالمية، وتتراوح حصتها السوقية من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميا ما بين 20 في المائة و21 في المائة.
الكويت: كذلك يتوقع أن يسجل اقتصاد الكويت انكماشا كبيرا بواقع 6.4 في المائة من نمو متوقع بـ2.6 في المائة خلال يناير، وتعتمد الكويت بنسبة 100 في المائة على مضيق هرمز لتصدير نفطها الخام ومشتقاته، وبالتالي يعني إغلاق المضيق توقف شريان الحياة المالي للدولة بشكل كامل، مما يؤدي فورا إلى توقف التدفقات النقدية الداخلة للموازنة.
البحرين: تراجعت توقعات النمو لاقتصاد البحرين بمقدار 1.8 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 3.1 في المائة خلال عام 2025 إلى 1.3 في المائة خلال عام 2026.
سلطنة عمان: تراجعت توقعات النمو لاقتصاد عمان بمقدار 1.2 نقطة مئوية منذ يناير، ومن المتوقع الآن أن يتباطأ من 3.6 في المائة خلال عام 2025 إلى 2.4 في المائة خلال عام 2026.
ولعل الصدمة الأكبر التي فجرها تقرير البنك الدولي تكمن في الانهيار الحر للاقتصاد العراقي؛ إذ هوت توقعات نموه من 6.5 في المائة إلى انكماش مرعب قدره 8.6 في المائة.
ويعكس هذا الرقم المخيف حالة الاختناق الشامل التي واجهتها بغداد مع إغلاق منفذها الوحيد في البصرة، مما حول ثروتها النفطية إلى أصول محاصرة خلف مضيق هرمز، ووضع الموازنة العامة أمام عجز تاريخي يهدد أسس الاستقرار الاجتماعي والمالي للبلاد، علما بأن العراق وهو ثاني أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) شهد التراجع الأكبر في إنتاجه بنسبة تصل إلى نحو 70 في المائة ليصل إلى 800 ألف برميل يوميا من 4.3 مليون قبل أزمة مضيق هرمز.
وتختلف حالة مصر في تقرير البنك الدولي عن بعض دول المنطقة التي شهدت مراجعات حادة؛ إذ حافظ البنك على توقعاته لنمو الاقتصاد المصري عند 4.3 في المائة، ورغم استقرار هذه الأرقام، إلا أن التقرير يضعها في سياق حذر، مشيرا إلى أن المخاطر الإقليمية لا تزال تميل نحو الجانب السلبي.
ويقول البنك الدولي إن المخاطر تميل نحو الجانب السلبي، وإنه في حال استمرار النزاع لفترة طويلة، ستتفاقم الآثار الحالية على المنطقة من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتراجع التجارة والسياحة والتحويلات المالية وزيادة الضغوط المالية والنزوح.
وفي تشخيصه للمشهد، عد نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان عثمان ديون الأزمة الراهنة تمثل تذكيرا صارخا بحجم العمل المطلوب إنجازه، وشدد على أن الهدف يجب ألا يقتصر على مجرد تجاوز الصدمات، بل في استثمار الأزمة لإعادة بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على الصمود عبر تعزيز الأسس الاقتصادية الكلية.
ويرى ديون أن روشتة التعافي تتطلب مسارات متوازية تبدأ بالابتكار وتحسين معايير الحوكمة ولا تنتهي عند الاستثمار في البنية التحتية وتعزيز القطاعات المولدة للوظائف، وأكد المسؤول الدولي أن السلام والاستقرار هما شرطان أساسيان لتحقيق التنمية المستدامة، لافتا إلى أنه مع توفر السلام واتخاذ الإجراءات الصحيحة ستتمكن دول المنطقة من بناء المؤسسات والقطاعات التنافسية الكفيلة بخلق فرص حقيقية لشعوبها.
بينما قالت كبيرة الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان روبرتا غاتي بينما تواجه الدول الخسائر الفادحة للصراع الحالي، من المهم أيضا ألا نغفل عن العمل اللازم لتحقيق سلام وازدهار دائمين.







