على ابواب السفر معاناة الفلسطينيين تتجسد في معبر اللنبي

في مقال نشرته مجلة +972 العبرية، كشف كاتب فلسطيني مستعار باسم غيث ج، كيف يتحول جسر الملك حسين (معبر اللنبي) من مجرد معبر حدودي يربط الضفة الغربية المحتلة بالعالم الخارجي إلى أداة سيطرة يومية تتحكم في حركة الفلسطينيين ووقتهم وكرامتهم.
ومن هذا المنظور، لا تبدو معاناة السفر مجرد حادث عارض أو خلل إجرائي، بل هي جزء لا يتجزأ من بنية أوسع تجعل التنقل نفسه وجها آخر من أوجه الاحتلال.
ينطلق الكاتب من تجربته الشخصية التي حدثت في كانون الاول الماضي، حين تحولت رحلة يفترض ان تستغرق 3 ساعات من الضفة الى مطار عمان ثم الى اسطنبول، الى 36 ساعة من الانتظار والتعطيل والارتباك.
ويصف الكاتب كيف اضطر هو ومرافقوه للوقوف تحت شمس قاسية وفي برد الفجر، والمبيت قرب المعبر، وشراء تذاكر جديدة، والتنقل بين حافلات وسيارات اجرة، بينما ظل الوصول نفسه معلقا طوال الوقت.
ومن خلال هذه التجربة الفردية، يوضح الكاتب واقعا أوسع، فالفلسطيني في الضفة الغربية، رغم خضوعه للحكم الاسرائيلي، ممنوع من استخدام المطارات الاسرائيلية، مما يجعل عبور جسر اللنبي الى الاردن شرطا لا مفر منه للسفر الى الخارج.
لكن هذا المنفذ الوحيد، كما يصفه الكاتب، لا يعمل كبوابة الى العالم بل كحاجز اخر، يفتح ويغلق فجأة، ويترك الناس عالقين في الانتظار المهين.
ويفصل الكاتب يوم الرحلة نفسه، حيث وصل الى المعبر قبل افتتاحه ليجد مئات المسافرين مصطفين منذ الصباح الباكر، ثم مرت الساعات دون ان يفتح المعبر، بينما انتشرت الشائعات عن اضراب على الجانب الاسرائيلي.
وبينما كان الفلسطينيون والاردنيون حاضرين في مراحل مختلفة من العبور، بقي القرار، كما يؤكد الكاتب، في يد اسرائيل وحدها، فهي التي تقرر متى يفتح المعبر، ومن يسمح له بالمرور، ومن يمنع، ولأي سبب.
واضاف غيث ان النشاط السياسي او انتقاد اسرائيل او ذرائع امنية غير محددة قد تكون كافية لمنع الفلسطيني من السفر دون تفسير واضح.
وحين سمح لبعض المسافرين اخيرا بدخول المبنى الفلسطيني، بدأت مرحلة اخرى من المعاناة، رسوم تدفع لاسرائيل، وتذاكر منفصلة للمسافر ولحقائبه، وافتراق عن الامتعة، ثم انتظار طويل للحافلات.
وفي الاثناء، راح اشخاص يتوسلون المرور لان رحلاتهم ستفوتهم او لان لديهم مواعيد علاج او اقارب ينتظرونهم، لكن الجواب الذي تكرر، كما يذكره الكاتب، كان واحدا كل شيء بأيدي الاسرائيليين.
ثم اعلن لاحقا اغلاق المعبر لبقية اليوم، فعادت الحافلات، وضاعت الرحلات، وتفرق المسافرون بين من استطاع العودة الى سيارته ومن ذهب يبحث عن مكان يبيت فيه.
ويمضي المقال الى ما بعد اليوم الاول، حين اضطر الكاتب الى المبيت قرب اريحا دون حقائبه، قبل ان يعود قبل الفجر الى المعبر، هذه المرة في طابور اطول يضم من منعوا من العبور في اليوم السابق.
ويصف المشهد ليس بانه مجرد فوضى سفر، بل صورة مكثفة عن الوجود الفلسطيني نفسه حشد عالق في مساحة معلقة، من غير جهة واضحة للاحتجاج، ودون معرفة ان كان اليوم سينتهي بعبور ام بخيبة جديدة.
ويخلص الى ان المعاناة الفلسطينية نفسها تحولت الى مجال للجباية، اسرائيل تفرض رسومها، بينما يبقى الفلسطيني اسير القيد نفسه.
ويستشهد الكاتب بتصريحات فلسطينية حملت اسرائيل المسؤولية المباشرة عما يجري، وعدت ما يحدث انتهاكا صارخا للقانون الدولي وحقوق الانسان وجزءا من سياسة ممنهجة لاذلال الفلسطينيين.
ومن تجربته الشخصية، يوسع الكاتب العدسة الى التاريخ القريب، فيذكر بان الفلسطينيين لم يكونوا يعتمدون دائما على جسر الملك حسين وحده، فقد كان مطار القدس قرب قلنديا بوابتهم الى العالم لعقود، قبل ان يتحول موقعه الى مشروع استيطاني.
كما امتلكت غزة لفترة قصيرة مطارا دوليا بعد اتفاق اوسلو، قبل ان تدمره اسرائيل، اما الممر البري الامن بين الضفة وغزة، فلم يعش الا اشهرا معدودة قبل اغلاقه.
ويستعيد كذلك جسر دامية ومعبر الشيخ حسين، الذي ما زال مفتوحا امام الجميع تقريبا باستثناء فلسطينيي الضفة الممنوعين من استخدامه حتى اليوم.
وهنا يوضح الكاتب ان الفلسطيني لم يحاصر في سفره بفعل ضيق الخيارات فقط، بل لان هذه الخيارات نفسها اغلقت واحدا بعد اخر، حتى بات العالم كله يمر عبر عنق زجاجة واحدة تتحكم فيها اسرائيل.
ويختم بان مشقة الطريق ليست المشكلة الوحيدة، بل ما يخشاه الفلسطينيون في كل مكان، وهو خوف الاباء من ان يرث الابناء هذه التجربة نفسها حين يكبرون.







