الرواية الشفوية: صوت الذاكرة الفلسطينية في وجه النسيان

تتقلص المساحات العامة في رام الله بشكل مستمر، لكن وزارة الثقافة الفلسطينية اختارت مركز خليل السكاكيني ليكون مسرحا لملتقى الرواية الشفوية، الذي اختتم فعالياته مؤخرا. ويعتبر اختيار هذا المكان ذا دلالة خاصة، حيث أنه يمثل بيت عائلة هجرت عام 1948، ويحتضن نقاشات حول توثيق تلك الذاكرة المؤلمة.
جمع الملتقى مجموعة من الكتّاب والأكاديميين والمؤرخين والباحثين في ثلاث جلسات تناولت مواضيع متنوعة. أولى الجلسات ناقشت الأسس التاريخية للرواية الشفوية وأدواتها، مع التركيز على إشكاليات المنهجية، حيث تعتبر هذه الإشكاليات محورية لشعب فقد الكثير من أرشيفه المادي خلال موجات التهجير المتعاقبة. أما الجلسة الثانية فقد تناولت الرهان السياسي وراء المشروع الأكاديمي، بعنوان "الرواية الشفوية في معركة الوعي والسردية الفلسطينية"، بينما خصصت الجلسة الثالثة لتبادل التجارب الشخصية في توثيق الذاكرة الفلسطينية.
وشدد وزير الثقافة عماد حمدان في كلمته الافتتاحية على ضرورة تطوير أدوات التوثيق عبر الوسائط الرقمية الحديثة، مشيرا إلى أهمية بناء أرشيف وطني يجمع هذه الذاكرة الثمينة ويحميها من الاندثار. وأوضح حسام أبو النصر، رئيس الملتقى، أن التاريخ الشفوي الفلسطيني بدأ يبرز بعد نكبة 1948، حيث وجد العديد من اللاجئين أنفسهم بلا وثائق ولا سجلات رسمية، مما جعل الذاكرة الفردية الوسيلة الوحيدة المتاحة لحفظ تاريخ القرى المهجرة.
وذكرت المصادر أن الفلسطينيين كانوا من أوائل الشعوب العربية الذين أدركوا أهمية التاريخ الشفوي كضرورة وجودية. ففي عام 1998، أسست جامعة بيرزيت برنامجا خاصا بالتاريخ الشفوي الذي وثق آلاف الشهادات من ناجي النكبة. وقبله، جمع الباحث الراحل نافذ نزال شهادات من ناجين فلسطينيين في سبعينيات القرن الماضي، في حين أطلق المؤرخ وليد الخالدي موسوعته "كي لا ننسى" التي وثقت 418 قرية فلسطينية مهجرة بناء على روايات أهلها. كما أطلقت مؤسسة الدراسات الفلسطينية مشروعا لجمع الشهادات الشفوية وتوفيرها رقميا.
غير أن هذا الملتقى يأتي في سياق خاص، حيث تزايدت الحاجة إلى الرواية الشفوية بعد الحرب على غزة التي تسببت، وفق تقارير اليونسكو، في تدمير مئات المواقع التراثية والمكتبات. إذ يُعتبر صوت الجدة الذي يروي كيف كانت الحياة قبل التهجير هو الخط الدفاعي الأخير ضد محو الذاكرة الجماعية. فعندما تُقصف المكتبات، يبقى الشاهد الحي وثيقة متحركة لا تحتاج إلى رفوف.
لكن التحدي الأبرز الذي أشار إليه المشاركون يتجاوز مجرد الجمع والتوثيق، إلى مسألة المنهج. فالرواية الشفوية ليست مجرد نقل محايد للوقائع، بل هي آلية لإعادة البناء تتأثر بالذاكرة الانتقائية والسياق النفسي للراوي ولحظة الرواية. كما أن للرواية الشفوية دورا مزدوجا، تاريخيا وسياسيا، في آن واحد.
وواصل حمدان دعوته إلى بناء أرشيف وطني رقمي شامل، حيث أن جيل النكبة الأول، الذين عاشوا أحداث 1948 بوعي كامل، يقترب معظمهم من نهاية حياتهم. وكل يوم يمر دون تسجيل شهادة ناج هو يوم يخسر فيه الأرشيف الفلسطيني وثيقة لا تعوض، كما حذر المؤرخ المالي أمادو هامباتي با حين قال إن موت شيخ في أفريقيا يعني احتراق مكتبة بأكملها.







