أزمة "عقيلة وبورزيزة" توسع شرخ القضاء الليبي

دخل الانقسام الليبي مرحلة جديدة من التصعيد "القضائي-السياسي" مطلع عام 2026، إثر تبادل حاد للاتهامات بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المحكمة العليا المستشار عبد الله بورزيزة. الأزمة التي تفجرت بعد وصف صالح للمحكمة العليا بأنها مجرد "محكمة نقض"، ومطالبته بتنحي بورزيزة بدعوى انحيازه السياسي، قوبلت برد عنيف من الجمعية العمومية للمحكمة التي وصفت البرلمان لأول مرة بـ "السلطة المؤقتة"، محذرة من أن المساس بهيبة القضاء يهدد بجر البلاد إلى "فوضى قانونية وتسلط ولا شرعية".
المحكمة الدستورية.. فتيل الانفجار بين الشرق والغرب يعود جوهر الخلاف إلى إصرار البرلمان في بنغازي على إنشاء "محكمة دستورية عليا" مستقلة، وهو إجراء أبطلته الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس سابقاً. ويرى عقيلة صالح أن المحكمة العليا لا ولاية لها في النظر بدستورية القوانين، داعياً إلى إنشاء قضاء إداري متخصص، بينما تعتبر المحكمة العليا أن إنشاء محكمة دستورية هو شأن "دستوري سيادي" يختص به الدستور الدائم، وليس سلطة التشريع، متهمة صالح بمحاولة ضرب مبدأ الفصل بين السلطات وتجاوز حدود صلاحيات الإعلان الدستوري المؤقت.
استقطاب حكومي.. الدبيبة وحماد على خط المواجهة
ولم يتأخر الاصطفاف السياسي عن المشهد؛ إذ سارع رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، لإعلان دعمه الكامل للمحكمة العليا، معتبراً حمايتها "واجباً وطنياً" ضد التدخلات الرامية لتقويض المسار السياسي، ومتبنياً وصف البرلمان بـ "السلطة المؤقتة". وفي المقابل، انحازت حكومة أسامة حماد (المكلفة من البرلمان) لرؤية صالح، واصفة بيان المحكمة العليا بأنه "انقلاب" على السلطة التشريعية المنتخبة، واتهمت حكومة الدبيبة بمحاولة تدويل الأزمة عبر دعوة البعثة الأممية للتدخل، مما يعمق حالة "التشظي المؤسسي" التي باتت تهدد آخر حصون الوحدة في البلاد وهو القضاء.
إن هذا الصدام، الذي تجاوز لغة القانون إلى لغة الصراع السياسي المفتوح، يضع القضاء الليبي أمام اختبار وجودي؛ فبينما يرى البرلمان في إجراءاته "تنظيماً مؤسسياً"، تراها المحكمة العليا "ضرباً لأحكام القضاء عرض الحائط". ومع تمسك كل طرف بشرعيته، يخشى مراقبون أن تؤدي هذه الأزمة إلى إنهاء وحدة المنظومة القضائية تماماً، مما يغلق الباب أمام أي آمال قريبة في إجراء انتخابات وطنية تعتمد في أساسها على قضاء موحد للفصل في طعونها ونتائجها.







