مرونة راسمالية: البنوك الخليجية تتجاوز التوترات الجيوسياسية

تظهر البنوك الخليجية قدرة ملحوظة على الصمود رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وذلك بفضل متانة مراكزها المالية والإجراءات التنظيمية الاستباقية، بينما لا تزال التداعيات الكاملة للأوضاع الراهنة على القطاع غير واضحة.
وأفاد المدير الإداري لدى وكالة ستاندرد آند بورز العالمية للتصنيف الائتماني محمد داماك بان البنوك في المنطقة لم تسجل حتى الآن أي تدفقات رأسمالية خارجة كبيرة، سواء من الداخل أو الخارج، مشيرا إلى أن تأثير التوترات على جودة الأصول سيستغرق وقتا قبل أن ينعكس على البيانات المالية.
ويتقاطع ذلك مع ما أظهره تقرير حديث من الوكالة، وأشار إلى أن البنوك الخليجية تمكنت من الحفاظ على استقرار عملياتها رغم التحديات، مع بقاء مؤشرات جودة الأصول مستقرة حتى الآن، في حين يتوقع أن يظهر التأثير الفعلي خلال الفترة المقبلة.
وترى ستاندرد آند بورز أن السيناريو الأساسي يفترض استمرار فترة من الاضطرابات في أجزاء من المنطقة، وحتى إن هدأت المرحلة الأعلى حدة خلال أسابيع، إذ قد يستمر بعض التداعيات، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد وازدحام الموانئ وتأخيرات التأمين لفترة أطول، كما أن استمرار المخاطر الأمنية في مسارات الشحن قد يضغط على حركة التجارة ويبقي الضغوط التضخمية مرتفعة، مما قد ينعكس على بعض القطاعات الاقتصادية مثل النقل والسياحة والعقار والتجزئة، وبالتالي يؤثر بشكل غير مباشر على جودة أصول البنوك وآفاق نموها.
ومع ذلك، يؤكد داماك أن هذه الضغوط المحتملة يرجح أن تحتوى جزئيا عبر إجراءات التيسير الرقابي التي بدأ بعض الجهات التنظيمية تطبيقها، إلى جانب متانة الأسس المالية للبنوك.
وأوضح أن البنوك الخليجية تدخل هذه المرحلة من موقع قوة نسبية، إذ يبلغ متوسط الشريحة الأولى من رأس المال نحو 17.1 في المائة، فيما تصل نسبة القروض المتعثرة إلى نحو 2.5 في المائة، مع مستويات تغطية بنحو 158.7 في المائة لدى أكبر 45 بنكا في المنطقة، كما تتمتع البنوك بمستويات سيولة مريحة، مما يعزز قدرتها على امتصاص الصدمات المحتملة، حتى في حال تعرضت لضغوط تمويلية أو تراجع في بعض القطاعات الاقتصادية.
وفي مواجهة هذه التطورات، سارعت البنوك المركزية في دول الخليج إلى اتخاذ إجراءات احترازية لتعزيز الاستقرار المالي ودعم القطاع المصرفي، في نهج يتوازى مع توجهات اتبعتها المصارف المركزية في أوروبا والولايات المتحدة وعدد من دول شرق آسيا.
ففي قطر، أعلن المصرف المركزي إتاحة تسهيلات غير محدودة لعمليات إعادة الشراء (الريبو) بالريال القطري، إلى جانب تسهيلات لليلة واحدة وأخرى تمتد 3 أشهر، بما يمكن البنوك من إدارة تدفقاتها النقدية بدرجة أكبر من اليقين، فضلا عن إطلاق تدابير لدعم المقترضين، مؤكدا متانة مستويات السيولة ورأس المال في القطاع.
وفي الكويت، أطلق بنك الكويت المركزي حزمة إجراءات تحفيزية شملت تخفيف متطلبات السيولة والملاءة، مثل معيار تغطية السيولة وصافي التمويل المستقر، إلى جانب رفع الحدود القصوى للفجوات التمويلية وزيادة سقوف الإقراض، بما يعزز مرونة البنوك وقدرتها على دعم النشاط الاقتصادي.
أما في الإمارات، فقد أظهرت بيانات المصرف المركزي استخدام البنوك أداة تسهيلات تأمين السيولة الطارئة، التي تتيح لها الاقتراض مقابل ضمانات متنوعة، في إطار حزمة دعم أوسع لتعزيز السيولة والقدرة على الإقراض في النظام المالي.
في موازاة ذلك، فعل كثير من البنوك في المنطقة خطط استمرارية الأعمال، بما في ذلك التحول إلى العمل عن بعد وتقليص عدد الفروع، إلى جانب الاعتماد على مراكز بيانات بديلة داخل وخارج المنطقة، مما ساعد في الحد من تأثير أي اضطرابات تشغيلية محتملة، وبينما تبقى حالة عدم اليقين السمة الأبرز للمرحلة الحالية، فانه يرجح أن تواصل البنوك الخليجية إظهار قدر من المرونة، مستفيدة من قوة مراكزها المالية والدعم التنظيمي المستمر، وإن كان ذلك لا يلغي احتمال تعرضها لضغوط في حال استمرار الاضطرابات مدة أطول.







