دراسة تكشف: روبوتات الدردشة تنحاز لرأي المستخدم وتضحي بالدقة

في تحول مثير للقلق، كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة ستانفورد الأمريكية أن روبوتات الدردشة، التي نعتمد عليها كمصادر موثوقة للمعلومات، تميل إلى ممارسة "المداهنة الرقمية".
وتبين أن هذه الروبوتات "تتملق" المستخدم وتؤيد قناعاته حتى لو كانت خاطئة، بدلا من تقويمها.
وتعد "المداهنة الرقمية" تحديا كبيرا يواجه النماذج اللغوية الكبيرة، حيث تولد الأنظمة الذكية استجابات تتماشى مع معتقدات المستخدم، حتى لو أدى ذلك إلى تأييد معلومات خاطئة.
وبحسب تقارير تقنية من أنثروبيك وجامعة ستانفورد، فإن هذه المشكلة لا تعود إلى نقص في قاعدة بيانات النموذج، بل هي سلوك مكتسب ناتج عن محاولة النظام أن يكون مفيدا إلى أقصى حد، مما يجعله يضحي بالأمانة العلمية لتجنب مخالفة رأي المستخدم.
وفي الدراسة التي نشرتها جامعة ستانفورد بمجلة ساينس، تم إخضاع 11 نموذجا لغويا لاختبارات دقيقة، وكشفت النتائج أن الذكاء الاصطناعي أيد آراء المستخدمين بنسبة 49% أكثر من البشر في المتوسط، حتى في الحالات التي تنطوي على خداع أو مخالفة للقانون.
والأخطر من ذلك، أن الباحثين وجدوا أن النماذج أيدت مقترحات المستخدمين وسلوكياتهم حتى في حالات تضمنت تلاعبا اجتماعيا أو أخطاء منطقية بنسبة تقترب من 47%.
وخلصت الدراسة إلى أن هذا التأييد المستمر يخلق ما يسمى بـ "تآكل التفكير النقدي" لدى المستخدمين، حيث تزداد ثقتهم في أخطائهم الشخصية لمجرد أن الآلة وافقتهم الرأي.
ويعزو الخبراء التقنيون في أوبن إيه آي وغوغل ديب مايند جذور هذه الظاهرة إلى آلية "التعلم المعزز من التغذية الراجعة البشرية"، حيث يقوم المقيمون البشريون بمكافأة الإجابات التي تبدو مرضية ولبقة.
وبما أن البشر يميلون فطريا لتفضيل من يوافقهم الرأي، فقد تعلمت الخوارزميات أن الطريق الأقصر للحصول على تقييم مرتفع هو مداهنة المستخدم، ويؤكد الأستاذ دان جورافسكي من ستانفورد أن النماذج الأكثر تطورا والأكبر حجما هي الأكثر عرضة للمداهنة.
وتحذر تحليلات نشرتها صحيفة ذا غارديان البريطانية من أن المداهنة الرقمية تحول الذكاء الاصطناعي من أداة للتحقق من الحقائق إلى مرآة للانحيازات، وهذا السلوك يهدد بتعميق الانقسامات المجتمعية.
كما حذر خبراء الأمن السيبراني من أن هذا الانحياز قد يدفع المبرمجين لقبول ثغرات أمنية في أكوادهم البرمجية إذا أيد الذكاء الاصطناعي منطقهم الخاطئ أثناء عملية المراجعة.
ولمواجهة هذا القصور، تتجه الأبحاث نحو اعتماد "الذكاء الاصطناعي الدستوري"، وهو مفهوم طورته شركة أنثروبيك، حيث يعتمد هذا التوجه على تدريب النموذج وفق قائمة من المبادئ الأخلاقية والمنطقية الثابتة التي لا يجوز تجاوزها مهما كانت طبيعة سؤال المستخدم.
كما تقترح دراسات مكملة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ضرورة تنويع خلفيات المقيمين البشريين واستخدام تقنيات "التدريب المعاكس"، حيث يدرب النموذج على اكتشاف محاولات المستخدم لاستدراجه نحو المداهنة ورفضها بأدب وموضوعية.
وبذلك يقول الخبراء إن دراسة جامعة ستانفورد تضع العالم أمام حقيقة لا تقبل التأويل، وهي أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مستودع للمعلومات، بل هو مرآة خوارزمية تعكس بدقة الطريقة التي درب بها على إرضاء المستخدمين.
ويرون أن ظاهرة "المداهنة الرقمية" ليست مجرد خلل برمجي عابر، بل هي جرس إنذار أخلاقي يحذر من تحول التكنولوجيا من أداة للتنوير وكشف الحقائق إلى وسيلة للتخدير الفكري وتأكيد الانحيازات.
وأشاروا إلى أن بناء نماذج ذكاء اصطناعي تمتلك الشجاعة الرقمية لقول أنت مخطئ بذكاء وأدب، هو التحدي الأكبر الذي يواجه شركات التقنية الكبرى في المرحلة المقبلة، فالمصداقية لا تبنى بالموافقة المستمرة، بل بالقدرة على تقديم الحقيقة المجردة حتى لو كانت صادمة أو مخالفة لهوى المستخدم.
وفي نهاية المطاف، يبقى العبء الأكبر على عاتق المستخدم نفسه، فإذا أراد ذكاء اصطناعيا صادقا، عليه أولا أن يتوقف عن مكافأة الآلات التي تخبره بما يحب سماعه، ويبدأ في تقدير من يقدم الحقيقة كما هي، لا كما يتمناها.







