غزة: متطوعون يتحدون الدمار لإنقاذ كنوز مكتبة المسجد العمري

في مشهد يجسد الأمل وسط الدمار، يتسابق متطوعون في غزة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مكتبة المسجد العمري الكبير، التي تضررت جراء الحرب، حيث ينحنون فوق أكوام الركام والغبار، بحثا عن الكتب والمخطوطات التي نجت من الدمار.
وبين الحجارة المتناثرة وبقايا الرفوف المحترقة، تظهر صفحات قديمة ومجلدات مهترئة، فيلتقطها المتطوعون بعناية وينفضون عنها الغبار، تمهيدا لنقلها إلى أماكن آمنة.
واكد القائمون على المبادرة أن الهدف هو إنقاذ محتويات المكتبة، التي تعد واحدة من أقدم المكتبات الدينية في غزة، وتحمل بين رفوفها تاريخا طويلا من المعرفة.
وقالت حنين العمصي، مديرة مؤسسة "عيون على التراث"، إن المبادرة انطلقت فور الوصول إلى المكتبة بعد القصف، مضيفة أنها لم تتوقع حجم الدمار، حيث انهارت معظم الرفوف وتناثرت الكتب تحت الأنقاض.
واوضحت أن المكتبة كانت تضم نحو 20 ألف كتاب ومخطوطة في مجالات متعددة، لكن التقديرات الأولية تشير إلى أن الجزء الأكبر تلف، ويمكن إنقاذ بضعة آلاف فقط.
ويعمل المتطوعون على جمع ما تبقى من الكتب القابلة للحفظ، في سباق مع الزمن لإنقاذ هذا الإرث.
وفي زاوية من القاعة المدمرة، تجلس سلمى الدحدوح، الطالبة الجامعية، على الأرض بين الكتب المتناثرة، وتستخدم فرشاة صغيرة لإزالة الغبار عن كتاب قديم، مستعينة بضوء هاتفها المحمول.
وتضيف الدحدوح أنها تقلب صفحات الكتاب بحذر، لتقييم حالته قبل وضعه في صندوق مخصص للكتب القابلة للإنقاذ، مبينة أن هذه الكتب تمثل تاريخ المدينة وجزءا من ذاكرة غزة.
واشارت إلى أن المهمة ليست سهلة، فالكتب بقيت تحت الركام لفترة طويلة، ما جعلها عرضة للرطوبة والتلف، ويتطلب ذلك التعامل معها بدقة.
وواصل المتطوع أحمد الكردي ترتيب الكتب التي تم العثور عليها، قبل نقلها إلى صناديق الحفظ، ووصف المشهد عند وصولهم للمرة الأولى قائلا: "كانت الكتب متناثرة في كل مكان، وبعضها مدفون تحت الحجارة والغبار".
وبين أن إنقاذ كتاب واحد قد يستغرق وقتا طويلا بسبب هشاشته، مؤكدا أنهم يتعاملون مع هذه الكتب وكأنها كنوز، لأنها تمثل ذاكرة لا يمكن تعويضها.
واضاف أن الفريق يعتمد على أدوات بسيطة، مثل الفُرش والعصي الخشبية، في ظل غياب المعدات المتخصصة بترميم الكتب، ما يزيد من صعوبة المهمة.
ولفتت العمصي إلى أن بعض ما تم العثور عليه يشمل مخطوطات تعود إلى فترات تاريخية قديمة، بينها وثائق من العهد العثماني، مؤكدة أن قيمتها تمتد إلى الجوانب التاريخية والثقافية.
واوضحت أن هذه الجهود تأتي في ظل أضرار واسعة لحقت بالتراث في غزة، حيث تضررت مئات المواقع الأثرية والدينية منذ بداية الحرب، ما يجعل إنقاذ المكتبة خطوة رمزية مهمة في الحفاظ على الهوية الثقافية.
ورغم حجم الخسائر، يتمسك المتطوعون بأمل إنقاذ ما تبقى من هذا الإرث، واختتمت العمصي حديثها بالقول: "قد لا نستطيع استعادة كل ما فقد، لكننا نحاول حماية ما تبقى".
وفي الختام بين الغبار والركام، يواصل هؤلاء المتطوعون عملهم بصمت، في محاولة لانتشال ذاكرة مدينة كاملة من تحت الأنقاض، قبل أن يطويها النسيان.







