وثائق سرية تكشف كيف حاول نظام الأسد إخفاء جرائمه

"لا تتركوا أثراً ورقياً".. وثائق سرية تكشف منظومة الأسد الممنهجة لإخفاء جرائم الحرب
كشفت آلاف الوثائق السرية، مدعومة بشهادات مسؤولين سابقين وشهود عيان، عن منظومة متكاملة أنشأها نظام بشار الأسد بهدف وحيد: إخفاء وطمس الأدلة على الجرائم واسعة النطاق التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية، في محاولة ممنهجة للتهرب من أي مساءلة دولية مستقبلية.
اجتماع سري في القصر الرئاسي
تعود إحدى اللحظات المفصلية إلى خريف عام 2018. مع تزايد التسريبات حول المقابر الجماعية ومراكز التعذيب، اجتمع رؤساء الأجهزة الأمنية في القصر الرئاسي بدمشق. وبحسب مصادر مطلعة، كان الهدف من اللقاء هو مناقشة سبل "تحسين إخفاء الآثار". خلال الاجتماع، اقترح مسؤول أمني حذف هويات المعتقلين الذين قضوا في السجون من السجلات الرسمية لضمان "عدم ترك أي أثر ورقي"، وهو مقترح وافق رئيس مكتب الأمن القومي آنذاك، علي مملوك، على دراسته.
تزوير الأدلة ومسح السجلات
بعد أشهر قليلة، بدأت الأجهزة الأمنية بالفعل في العبث الممنهج بالأدلة. أظهر تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" أن مسؤولين قاموا بتزوير وثائق رسمية لإخفاء أماكن وظروف وفاة المعتقلين تحت التعذيب. تم حذف أرقام الفروع الأمنية وأرقام التعريف الخاصة بالضحايا، وفي بعض الحالات، تم تلفيق اعترافات مكتوبة لمعتقلين قُتلوا بالفعل لمنح عمليات القتل غطاءً قانونياً شكلياً.
من التوثيق الدقيق إلى عبء خطير
في السنوات الأولى للحرب، كانت الأجهزة الأمنية توثق أنشطتها بدقة، من استجوابات مكتوبة إلى وفيات مسجلة وجثث مصورة. لكن هذا التوثيق تحول لاحقاً إلى عبء ثقيل و خطر داهم على النظام. شكلت صور "قيصر"، التي هُرّبت في عام 2014 وأظهرت أكثر من 6 آلاف جثة عليها آثار تعذيب، أول دليل بصري واسع النطاق على هذه الجرائم، مما دفع النظام إلى التحرك سريعاً لوضع استراتيجية مضادة تركز على التشكيك في مصداقية الصور ومصدرها.
نبش المقابر الجماعية
على الأرض، كانت عمليات الإخفاء أكثر بشاعة. أشرف ضباط، من بينهم العقيد مازن إسمندر، على دفن آلاف الجثث في مقابر جماعية سرية حول دمشق. وعندما تسربت مواقع بعض هذه المقابر، صدرت الأوامر للفرق بنبش الجثث ونقلها إلى مناطق صحراوية نائية لإخفاء أي أثر. ووصف شهود عيان عمليات نقل مروعة لجثث مدنيين، بينهم مسنون، كانوا مجردين من ملابسهم.
الانهيار والملاحقة
رغم كل محاولات الإخفاء، بدأت الملاحقات القضائية الدولية تطال شخصيات بارزة في النظام، مع صدور مذكرات توقيف فرنسية بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر وعلي مملوك في عام 2023. وفي ديسمبر 2024، انهار النظام بشكل سريع، وفرّ الأسد وكبار مساعديه إلى روسيا. وفي خضم الفوضى، فرّ العقيد إسمندر، الذي أشرف على عمليات الدفن، حاملاً معه صندوقاً يضم بطاقات هوية بعض الضحايا، في محاولة يائسة لاستخدامها كورقة قد تنقذه هو ومساعديه، ولا يزال طليقاً حتى اليوم.







