يسري الغول يوثق غزة في كتاب جديد: سيرة النجاة من قلب المعاناة

بكلمات مؤثرة تلامس الوجدان استهل الروائي والقاص الغزي يسري الغول كتابه الجديد الذي يحمل عنوان "الليلة الاخيرة في غزة" والصادر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، مبينا أن هذا الكتاب يضم شهادات سردية وانسانية توثق ما تعرض له قطاع غزة خلال العامين الماضيين، في عمل فني يمزج بين الادب والتاريخ، وبين الشهادة والخيال المشبع بوجع الواقع.
ويقدم الغول في هذا الاصدار نصوصا مستلهمة من تفاصيل حياته اليومية وتجربته الشخصية، ناقلا صورا مكثفة عن الجوع الذي اجتاح شمال القطاع، والعطش، والخوف، وفقدان المنازل، وصولا إلى معاناة النزوح في الخيام، حيث يتحول الانتظار إلى عبء ثقيل، وتغدو الحياة محاولة مستمرة للتشبث بالبقاء.
واكد ان الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك المعنى الانساني للكارثة، عبر شخصيات تنبض بالالم والصمود، واصوات تبحث عن كرامتها وسط الركام.
ويقدم الغول شهادات ادبية حية تسهم في توثيق مرحلة مفصلية من التاريخ الفلسطيني المعاصر، في وقت بدا فيه العالم عاجزا عن وقف الحرب او حماية المدنيين.
وجاءت النصوص باسلوب سردي مكثف يمزج بين اللغة الشعرية والتوثيق الواقعي، معتمدا على الرمزية والبعد الانساني، بحيث تتحول كل قصة إلى مرآة لاحتمال "ليلة اخيرة"، ويتحول الالم الفردي إلى سؤال انساني اوسع حول العدالة والضمير.
ويمثل هذا العمل امتدادا لمشروع الغول الادبي، المعروف بتناوله قضايا الهوية والكرامة والصمود الفلسطيني، اذ يواصل من خلاله ترسيخ حضور غزة في قلب السرد العربي المعاصر، مؤكدا ان الادب احد ابرز اشكال المقاومة الثقافية ووسيلة لحفظ الذاكرة.
وقال الغول "هذا الكتاب ليس مجرد نصوص ادبية، بل محاولة للنجاة من الصمت وصرخة في وجه النسيان، شعرت ان كل يوم يمر دون توثيق هو خسارة للحقيقة، وان ما نعيشه في غزة اكبر من ان يختزل في خبر عاجل او رقم عابر".
واضاف "كنت ارى الناس يفقدون كل شيء؛ بيوتهم واحبّتهم وحتى يقينهم بالحياة، ومع ذلك ظلوا يتمسكون بشيء خفي يمنحهم القدرة على الاستمرار، حاولت ان انقل هذه اللحظات بصدقها وقسوتها، لان الواقع كان اشد فداحة من اي خيال".
واوضح ان عنوان الكتاب لا يشير إلى نهاية فعلية، بل إلى حالة مستمرة، متابعا "كل ليلة كانت تبدو وكانها الاخيرة، ليس فقط بسبب القصف، بل بسبب الشعور بان العالم تركنا وحدنا، ومع ذلك، كانت هناك دائما حكاية تروى وصوت يرفض ان ينطفئ".
وتابع الغول "الادب ليس ترفا هنا، بل ضرورة، هو وسيلتنا لنقول اننا كنا هنا، واننا عشنا وتالمنا وحلمنا، وان هذه الحياة تستحق ان تروى".
وتميزت تجربة الغول بانه كتب غزة من داخلها، قبل الحرب وخلالها، لا من مسافة امنة، لم يكن شاهدا خارجيا، بل جزءا من تفاصيلها اليومية، يتقاسم مع اهلها الخوف والجوع والانتظار، لذلك جاءت نصوصه مشبعة بصدق التجربة، حيث لا تبدو غزة مجرد مكان، بل كائنا حيا يتنفس ويتالم.
ومع انتقاله مؤخرا إلى خارج غزة، يدخل الغول مرحلة جديدة في مسيرته الابداعية، حيث لم تعد المدينة ترى بالعين، بل تستعاد بالذاكرة.
وهناك، تصبح الكتابة محاولة لتعويض الغياب، واستحضار التفاصيل التي تركها خلفه، غير ان البعد الجغرافي لا يعني انفصالا شعوريا، فغزة في نصوصه لا تزال حاضرة بوصفها جرحا مفتوحا وبيتا اول، تلاحقه اينما ذهب، وهكذا، تغدو الكتابة من المنفى اختبارا مضاعفا للذاكرة والحنين، ومحاولة دائمة للعودة إلى المكان، ولو بالكلمات.
ويرى نقاد وكتاب ان "الليلة الاخيرة في غزة" يمثل شهادة ادبية استثنائية، فهو ليس يوميات تقليدية، بل سيرة انسانية توثق الاقتراب من الموت ومحاولات النجاة منه، من خلال تفاصيل الحياة اليومية تحت الحرب، من البحث عن الماء والخبز إلى النزوح وفقدان الاحبة.
وقال الكاتب والقاص زياد خداش "الغول يقدم في هذا العمل سيرة انسانية عن مواجهة الموت ومحاولات الافلات منه، في سرد يجسد صمود الانسان في اقسى الظروف".
واضاف خداش "ما يميز الكتاب تدفقه الحزين، وشاعريته الكثيفة، وقوة لغته التي تواجه اكثر اللحظات قسوة بصدق عار".
ويرى خداش ان خروج الغول من غزة يفتح افقا جديدا لتجربته، موضحا انه قد يرى مدينته من زاوية مختلفة، ويكتشف تفاصيل لم يكن يراها من الداخل، ويصغي إلى حكايات لم ترو بعد.
وتبرز في نصوص الغول رموز مكثفة، مثل الطحين بوصفه رمزا للموت المرتبط بالجوع، والطائرات بوصفها حضورا دائما يلاحق الجميع، فيما تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة ضد النسيان.
وفي قراءتها تؤكد الكاتبة بديعة زيدان ان الغول يقدم في كتابه الجديد شهادة ادبية استثنائية توثق الماساة الانسانية في غزة، فالكتاب لا يندرج ضمن اليوميات التقليدية، بل يتجاوزها ليشكل سيرة انسانية ومذكرات وجدانية حية.
وقالت زيدان "تمثل هذه اليوميات وثيقة ادبية صادمة تنبثق من قلب الحرب والتجويع، اذ يفتتحها الكاتب بمقدمة تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع فداحة الواقع، لا بوصفه مراقبا من الخارج، بل شاهدا يعيش تفاصيل يوم مثقل بالخوف، ويتجاوز السرد التوثيقي المباشر، ليقدم ما يمكن وصفه بـ "سيرة وصف الموت"، حيث تتحول الكتابة، وسط اتون الحرب، إلى فعل مقاومة في وجه النسيان، وإلى محاولة لحفظ المعنى الانساني في زمن الانهيار والصمت".
واضافت زيدان "يوظف الغول تكسير الزمن والمشهدية السينمائية بمهارة، مستدعي ا ذكريات مدن اوروبية وانهارها، ليقارنها بواقع مدينته المنهكة، كما يستلهم صورا عالمية، مثل مشهد غرق السفينة في تايتانيك، ليعبر عن انهيار المكان وفقدانه".
وتشير الكاتبة بديعة زيدان إلى ان هذا الشكل الكتابي، الذي يجمع بين الشهادة الحية والتامل الفكري، يمنح العمل فرادته، بوصفه مذكرات كتبت تحت وطاة الالم، لتؤكد ان الكتابة ليست مجرد فعل سردي، بل محاولة اخيرة للدفاع عن الذاكرة، وحماية الانسان من الاندثار.
وفي هذا العمل، لا تكون الحرب ارقاما، بل وجوها واسماء وذكريات مهددة بالغياب، يمنح الغول التفاصيل الصغيرة قيمة انسانية، ويحولها إلى مفاتيح لفهم الماساة بوصفها تجربة شخصية.
وهكذا يصبح الادب، في تجربته، فعل ذاكرة ومقاومة في وجه النسيان، يكتب كي لا ينسى احد، وكي تبقى الحكايات حية، مؤمنا ان الكتابة قادرة على حفظ ما يتعرض للفقد.
وفي هذا الجانب، يرى الكاتب سعيد ابو غزة ان "الغول صوت سردي يخرج من بين الركام، ويكتب الحكاية بمداد من الالم والامل، موضحا ان غزة في نصوصه ليست خلفية للاحداث، بل قلب نابض بالحياة".
واضاف ابو غزة "يرسم الغول شخصياته وهي تمشي على حافة الفقد، لكنها تتمسك بالامل، ويمنح الامكنة المدمرة روحا، فتتحول الكتابة إلى محاولة لانقاذ المعنى".
في عالم يهدده النسيان، يواصل الكاتب والقاص الفلسطيني يسري الغول الكتابة كمن يشعل شمعة في العتمة، مؤمنا ان الحكاية، مهما كانت موجعة، تظل شكلا من اشكال النجاة، وان الادب قادر على ابقاء الذاكرة حية في وجه الفناء.







