من الخيال الى الواقع: كيف تحول اختراعات الانسان الى كائنات الية

لم تعد التكنولوجيا مجرد إضافة لحياتنا، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ منا، ما أدى إلى ظهور مصطلح "سايبورغ"، الذي يدمج الإنسان مع الآلة، مانحا إياه قدرات خارقة لم تكن في الحسبان، وفي هذا السياق، نستعرض أبرز ستة اختراعات ساهمت في تحقيق هذا التحول.
لطالما حلم الإنسان بالتحليق بمفرده في السماء، وهو حلم سعى إليه العالِم المسلم عباس بن فرناس، إلا أن ضعف التقنيات حال دون ذلك، ولكن اليوم، أصبح هذا الحلم حقيقة بفضل "حقيبة الظهر النفاثة".
ورغم أن هذه التقنية كانت حبيسة أفلام الخيال العلمي وألعاب الفيديو، إلا أنها ظهرت عام 2016 على يد شركة "غرافيتي إندستريز" البريطانية، وتعمل هذه الحقائب بقوة تتجاوز الألف حصان بفضل محركات نفاثة صغيرة، ما يمكنها من التحليق بسرعة تتجاوز 135 كيلومترا في الساعة، ولمدة تزيد عن 10 دقائق، كما يمكنها الارتفاع عموديا لمسافة تصل إلى 3.6 كيلومترات.
وريشارد براونينغ، مؤسس الشركة ورائد اختبارها الأول، وجندي سابق في قوات المارينز الملكية البريطانية، يرى أن هذه التكنولوجيا قد تكون مفيدة في تنفيذ عمليات اقتحام سريعة للسفن المعادية وعمليات الإنقاذ الصعبة.
وابتكر علماء أعصاب وعلماء مواد في الصين عدسات لاصقة تمكن من رؤية الأشعة تحت الحمراء، وذلك بتحويل ضوء الأشعة تحت الحمراء إلى ضوء مرئي، ورغم وجود هذه التقنية في نظارات الرؤية الليلية منذ زمن، إلا أنها اليوم أصبحت بعدسات أصغر ولا تحتاج لمصدر طاقة، ولأن العدسات شفافة، فهي تسمح برؤية الأشعة تحت الحمراء والضوء المرئي في آن واحد.
ويقول تيان شيويه، الباحث الرئيسي بالدراسة وعالم الأعصاب بجامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية، إن "هذا الاختراع يفتح آفاقا جديدة للأجهزة القابلة للارتداء التي تمنح الناس رؤية فائقة".
واضاف أن "هناك العديد من التطبيقات المحتملة لهذه المادة، إذ يمكن استخدام ضوء الأشعة تحت الحمراء لنقل المعلومات في بيئات الأمن والإنقاذ والتشفير ومكافحة التزوير".
وتستخدم تقنية العدسات اللاصقة جسيمات نانوية تمتص الأشعة تحت الحمراء وتحولها إلى أطوال موجية مرئية للعين البشرية، وفي المستقبل، يمكن تكييف هذه التقنية لمساعدة المصابين بعمى الألوان على رؤية الألوان التي تتجاوز نطاق بصرهم المحدود.
والارجل الآلية هي أجهزة قابلة للارتداء توضع حول الساقين والوركين لتعزيز القوة الطبيعية، وتأتي مزودة بمستشعرات تكتشف الحركات وتفعل محركات المفاصل لتوفير قوة إضافية، ويمكن ضبط مقدار الطاقة بحسب الحاجة.
وقد ساعدت هذه التقنية بعض الأشخاص ذوي الإعاقة على المشي دون مساعدة، ويجري تطويرها الآن لمساعدة عمال المستودعات على رفع ونقل الأحمال الثقيلة بأمان أكبر، كما يمكن استخدامها في تطبيقات يومية لمساعدة الأشخاص على المشي لمسافات أطول أو صعود السلالم.
وطور علماء من جامعة لندن جهازا بسيطا يشبه القفاز يمنح مرتديه إبهاما آليا يلتف حول المعصم ويثبت أسفل الخنصر، ويمكن التحكم به من خلال مجسات مثبتة على أصبع القدم الكبير، إذ ترسل إشارات لاسلكية بين المعصم والكاحل لتوليد الحركة.
وفي تجربة أجرتها دانييل كلود من جامعة كوليدج لندن، استخدم المشاركون الإبهام الإضافي لحمل فنجان قهوة بينما كانت أصابع اليد نفسها تمسك ملعقة لتحريك السكر، فيما استخدم آخرون الإبهام لتقليب صفحات كتاب في اليد ذاتها، وبلغ متوسط استخدام الجهاز 3 ساعات يوميا.
ولرصد تأثير الإبهام على الدماغ، خضع المشاركون لتصوير بالرنين المغناطيسي قبل التجربة وبعدها، وتوضح الباحثة بولينا كيليبا من الفريق نفسه قائلة: "التكنولوجيا تتطور بسرعة، ولكن لا أحد يسأل ما إذا كان الدماغ قادرا على التكيف مع هذا التطور".
واظهرت النتائج أنه بعد فترة من الاستخدام، بدأ الدماغ بدمج تمثيلات الأصابع اليمنى معا، فلكل إصبع من أصابع اليد منطقة خاصة بالدماغ مسؤولة عن الإحساس والحركة لذلك الإصبع، وعادة ما تكون هذه المناطق منفصلة بوضوح، لكن في التجربة أصبح الدماغ يرى الأصابع تعمل كوحدة واحدة بدلا من أصابع مستقلة، ولكن بعد أسبوع أظهرت فحوص جديدة أن هذا التأثير بدأ يزول تدريجيا.
وصرح جوناثان أيتكن من جامعة شيفيلد البريطانية، معبرا عن دهشته من سرعة تأقلم المشاركين مع الإبهام الاصطناعي، قائلا: "القدرة على دمج أداة غير مألوفة كهذه، خاصة أنها تدار بواسطة أصابع القدم، والتعلم السريع لاستخدامها أمر مدهش بالفعل".
ورغم أن الإبهام الآلي ليس جزءا من جسمنا الطبيعي، فإن معظم الناس تمكنوا من التعامل معه بسرعة أثناء الاختبار، إذ إن 4 أشخاص فقط من أصل ما يقرب 600 لم يتمكنوا من استخدامه.
وتعد تكنولوجيا التحكم عبر التفكير مجالا واسعا يهدف إلى تمكين الإنسان من التحكم بالأجهزة الإلكترونية باستخدام الإشارات العصبية فقط، وتعمل هذه التقنية من خلال أجهزة استشعار مزروعة في الدماغ وبالتحديد في القشرة المخية المسؤولة عن الحركة، بالإضافة إلى أقطاب كهربائية تثبت بالذراع لتنفيذ أوامر الدماغ.
ولا تقتصر أهمية هذه التكنولوجيا على تحسين التفاعل مع الحاسوب فقط، بل تمتد لتمنح الأشخاص المصابين بأمراض عصبية مثل الشلل قدرة على التحكم بمحيطهم واستعادة جزء من استقلاليتهم.
وحتى الآن، تمكن متطوعون يعانون من إصابات في الحبل الشوكي من تحريك مؤشر الفأرة بمجرد التفكير بحركة أيديهم أو أذرعهم المشلولة، أما الخطوة القادمة في تطور هذه التقنية فهي تمكين المستخدمين من التحكم الدقيق في الأطراف الروبوتية.
وتعد القوقعة الصناعية الذكية اليوم نموذجا حيا للتكامل الوظيفي بين التكنولوجيا المتطورة والجهاز العصبي البشري، حيث تجاوزت كونها مجرد أداة لتعويض السمع لتصبح نظاما عصبيا إلكترونيا معقدا.
وعلى عكس المعينات السمعية التقليدية التي تكتفي بتضخيم الصوت، تعتمد القوقعة الذكية على تخطي الأجزاء التالفة في الأذن الداخلية لترسل إشارات كهربائية مباشرة إلى العصب السمعي.
وتشير الأبحاث الصادرة عن الجمعية الأمريكية للسمع والنطق واللغة (ASHA) إلى أن أجيال القوقعة الذكية المنتجة حاليا قد دمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) القائمة على معالجة الإشارات في الوقت الفعلي، وهذه التقنية تسمح للقوقعة بتمييز الكلام البشري عن ضجيج الخلفية المعقد في بيئات حقيقية.
علاوة على ذلك، يوضح تقرير صادر عن "المعهد الوطني للصمم واضطرابات التواصل الأخرى" (NIDCD) أن التطور الجوهري في هذه الأجهزة يكمن في "المرونة العصبية"، حيث أثبتت فحوصات الرنين المغناطيسي الوظيفي أن أدمغة المستخدمين تنجح في إعادة تشكيل خرائطها السمعية لتفسير هذه الإشارات الكهربائية المعقدة بشكل طبيعي.
وفي نهاية المطاف، تضع هذه الابتكارات الإنسان أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أنه لا يطور أدوات خارجية فحسب، بل يعيد تصميم كينونة بيولوجية، وهذا التحول يمنحه قدرات كانت يوما من مستحيلات الخيال العلمي، لكنه يفرض عليه في الوقت ذاته تحديات أخلاقية وقانونية غير مسبوقة حول ماهية "الذات" وحدود التدخل التقني في الجسد البشري.
ويرى الفيلسوف وخبير الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد، نيك بوستروم، أن المعضلة الحقيقية التي تواجه البشرية اليوم ليست في القدرة التقنية على جعل الإنسان "أقوى" أو "أذكى"، بل تكمن في الفجوة بين السرعة في الابتكار والقدرة على ضبط هذه التقنيات أخلاقيا.
ويؤكد بوستروم على ضرورة إخضاع كل تطور تقني لمنظومة قيمية صارمة، لضمان أن يظل مسار التطور البشري تحت السيطرة الواعية، ولا يتحول إلى سباق تقني مجرد قد يفقد الإنسان جوهره في الطريق.







