لماذا يتخلى المستثمرون عن الذهب وسط الأزمات العالمية؟

في تحول مفاجئ لاتجاهات السوق، شهدت أسواق المعادن الثمينة انخفاضا ملحوظا في الأسعار، بعد فترة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة محط أنظار المستثمرين.
وكشفت البيانات عن تسجيل العقود الآجلة للذهب والفضة تراجعات حادة، حيث انخفض الذهب بنسبة 5.9 في المائة، أي ما يعادل 289 دولارا للأونصة، بينما خسرت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط، واستمرت أسعار الذهب في الانخفاض، مسجلة أسوأ أداء أسبوعي منذ 15 عاما، وسط مخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية.
ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر 2008، ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعا بأكثر من 5 في المائة، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل الأزمات.
ولكن لماذا تتراجع قيمة الملاذات الآمنة في ظل تصاعد الأزمات الجيوسياسية؟
بين أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع يكمن في تغير توقعات التضخم وتلاشي الآمال في خفض أسعار الفائدة العالمية، ففي حين يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الأزمات إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية.
وأوضحت المصارف المركزية أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائدا، ودفع المستثمرين نحو السندات التي توفر دخلا ثابتا ومغريا في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.
ولم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال نبض الشارع الاستثماري المتمثل في المستثمرين الأفراد، فلليوم السادس على التوالي، سجلت البيانات تخارجا صافيا للمستثمرين من صندوق إس بي دي آر غولد شيرز، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين.
ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في التحول النفسي، ويعكس هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية تحولا جذريا في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذا لا يقهر.
ويرى محللون أن جزءا كبيرا من هذا التخارج الصافي ليس ناتجا عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة حاجة ماسة للسيولة في أسواق أخرى متعثرة، فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كحصالة طوارئ لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات هامش الربح من قبل الوسطاء.
وبالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد، ففي الكواليس، بدأت الأموال الذكية المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير، ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لتسييل الأرباح وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية.
وفي المقابل، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازنا، فوفقا لبيانات مجلس الذهب العالمي، استمر بنك الشعب الصيني في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طنا في فبراير وحده، ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار.
وأشار محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج الانتظار والترقب في الأشهر المقبلة، فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلا من زيادة حيازاتها من الذهب، ومع ذلك، يظل التوقع العام هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة، مما يوفر أرضية صلبة تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.
ولم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي، كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي.







