بكين تطمئن الأسواق العالمية بتعهدات جديدة للمستثمرين الأجانب

في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة وطمأنة الأسواق العالمية، تعهد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ بمواصلة انفتاح الاقتصاد الصيني وتطبيق مبدأ المعاملة الوطنية الكاملة للشركات الأجنبية، وذلك في ظل التوترات التجارية المتزايدة التي يشهدها العالم.
وقال لي تشيانغ إن هذه الوعود تأتي في وقت يواجه فيه الاقتصاد الصيني، كثاني أكبر اقتصاد في العالم، ضغوطا متصاعدة نتيجة الفائض التجاري القياسي الذي حققه، وقبيل زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب.
واضاف ان الصين ستركز على تعزيز التنمية عالية الجودة، وستواصل تهيئة بيئة أعمال مواتية، لكي تتمكن الشركات المقبلة إلى الصين من التطور بثقة وتحقيق نجاح باهر.
وبين ان هذه التصريحات جاءت خلال منتدى التنمية الصيني، الذي يعد منصة لبكين للترويج لمسارها الاقتصادي وفرص الاستثمار المتاحة أمام قادة الأعمال الأجانب، والمسؤولين الصينيين، والاقتصاديين، والأكاديميين.
واوضح ان هذه التحركات تكتسب أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيتها، إذ يأتي انعقاد المنتدى في ظل تصاعد حدة الخلافات مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، مدفوعة بفائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار.
واكد ان هذه التعهدات تسبق زيارة مرتقبة ومفصلية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي تأتي بعد إرجاء موعدها السابق في أواخر مارس نتيجة التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مما يضع بكين تحت مجهر الاختبار لإثبات جديتها في الانفتاح الاقتصادي قبل مواجهة الضغوط الحمائية المحتملة من الإدارة الأميركية.
وكشف ان من بين كبار المسؤولين التنفيذيين الحاضرين، مسؤولون من شركات «أبل»، و«سامسونغ» للإلكترونيات، و«فولكس فاغن»، «برودكوم» لصناعة الرقائق الإلكترونية، ومجموعة «سيمنز» الصناعية، و«باسف» للمواد الكيميائية، و«نوفارتس» للأدوية.
وقال لي إن الصين ستستورد مزيدا من السلع عالية الجودة، وستعمل مع شركائها التجاريين لتعزيز التنمية التجارية المتوازنة وتوسيع نطاق التجارة العالمية، واصفا الصين بأنها ملتزمة بأن تكون «حجر الزاوية للاستقرار» و«ملاذا آمنا» للاقتصاد العالمي، وأوضح أن الانفتاح والتقدم التكنولوجي ضروريان لخلق أسواق جديدة.
وافادت وكالة أنباء «شينخوا» بأن نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، هي ليفنغ، التقى يوم السبت كبار ممثلي الشركات متعددة الجنسيات، بما في ذلك «إتش إس بي سي»، و«يو بي إس»، و«شنايدر إلكتريك»، و«ستاندرد تشارترد».
وفي المنتدى نفسه، قال محافظ البنك المركزي الصيني (بنك الشعب)، بان غونغشنغ، إن البنك سيواصل تطبيق سياسة نقدية توسعية مناسبة، وأوضح بان أن «بنك الشعب» الصيني سيستخدم بشكل شامل أدوات السياسة النقدية، مثل نسبة الاحتياطي الإلزامي، وسعر الفائدة، وعمليات السوق المفتوحة للحفاظ على سيولة كافية.
من جهته، أكد النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي، دان كاتس، أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة من التغييرات المتلاحقة والصدمات المتكررة، مشددا على أن قدرة الصين على صياغة «فصل جديد» من النمو تعتمد بشكل أساسي على إطلاق عنان قوى السوق وإعادة التوازن نحو الاستهلاك المحلي.
وحذر كاتس من المخاطر الجيوسياسية الراهنة، مشيرا إلى أن الصراع في منطقة الشرق الأوسط أوجد مصدرا جديدا للمخاطر في وقت بدأ فيه الاقتصاد العالمي يظهر بوادر مرونة، ودعا البنوك المركزية العالمية إلى تبني سياسات «مرنة» وتجنب القرارات المتسرعة في مواجهة صدمات الطاقة، مؤكدا أن «الانتظار للحصول على وضوح أكبر» قد يكون الخيار الأفضل حاليا لضمان استقرار الأسعار.
وبالانتقال إلى الشأن الصيني، قال كاتس: «إن قوى السوق هي المفتاح لفتح المرحلة التالية من النمو الاقتصادي في الصين»، داعيا صناع السياسة الصينيين إلى المضي قدما في 3 ركائز إصلاحية أساسية:
1- تكافؤ الفرص: تقليص الدعم الموجه لشركات بعينها، ومنح الشركات الخاصة والأجنبية مساحة عادلة للمنافسة، وهو ما قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي للصين بنسبة تصل إلى 2 في المائة.
2- تسعير رأس المال: ضرورة توجيه التمويل نحو القطاعات الأكثر إنتاجية بدلا من دعم الشركات الضعيفة، مع تسريع وتيرة التصحيح في القطاع العقاري.
3- تنمية قطاع الخدمات: يرى صندوق النقد أن هناك مساحة هائلة لنمو قطاعات الصحة والتعليم والخدمات المهنية، والتي تعد محركات أكثر استدامة للإنتاجية من التصنيع التقليدي.
وشدد على ضرورة تطور دور الدولة في الصين، بحيث تتحول من «موجه مباشر» للاستثمارات نحو صناعات محددة، إلى «بناء البيئة والمناخ» اللذين يسمحان للابتكار والقطاع الخاص بقيادة الموارد الهائلة نحو المجالات الأكثر قيمة.
واختتم كاتس كلمته بالتأكيد على أن تحول الصين نحو اقتصاد تقوده السوق ليس مصلحة وطنية فحسب، بل هو ضرورة عالمية، قائلا: «هذا التحول سيكون جيدا للصين، وفي عالم يحتاج إلى ديناميكية واستقرار، سيكون جيدا لنا جميعا».







