هجوم رأس لفان يزلزل أسواق الغاز العالمية ويثير مخاوف من نقص الإمدادات

أصداء الانفجارات التي هزت مجمع رأس لفان الصناعي في قطر، والذي يضم أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، تتردد بقوة في أروقة البورصات العالمية، وتنذر باضطراب طويل الأمد في سوق الغاز الطبيعي المسال، فخروج خمس الإمدادات العالمية عن الخدمة، وتوقف الملاحة عبر مضيق هرمز، لم يرفع الأسعار فحسب، بل أعاد صياغة خريطة الطاقة، وحول التفاؤل بوفرة المعروض إلى سباق محموم بين الدول لتفادي شلل صناعي وتضخم في فواتير الطاقة المنزلية لا يمكن التنبؤ بنهايته.
وافادت شركة قطر للطاقة بان كثيرا من منشات الغاز الطبيعي المسال في راس لفان تعرضت لهجمات صاروخية، ما ادى الى اندلاع حرائق والحاق اضرار جسيمة، وبينت شركة شل ان الهجوم تسبب في اضرار بمشروع اللؤلؤة لتحويل الغاز الى سوائل، وان الحريق جرى اخماده بسرعة، ولم يجر الابلاغ عن وقوع اصابات، وان المنشاة اصبحت الان في حالة امنة.
وتمتلك شل حصة مائة في المائة في مشروع اللؤلؤة والذي تبلغ طاقته الاستيعابية معالجة ما يصل الى 1.6 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز عند فوهة البئر، وتحويله الى 140 الف برميل يوميا من السوائل المشتقة من الغاز.
ويتوقع المحللون ان تستغرق اعمال اصلاح اكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم عدة اشهر، ان لم تكن سنوات، وذلك تبعا لحجم الاضرار، وقد رفع بعضهم توقعاته لاسعار الغاز.
وتاتي قطر في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة كاكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، اذ تنتج ما يقارب 20 في المائة من الامدادات العالمية لهذا الغاز فائق التبريد، وقد توقف انتاجها بسبب اغلاق مضيق هرمز.
وتصنف مدينة راس لفان الصناعية كواحدة من اهم المناطق الاستراتيجية على خريطة الطاقة الدولية، فهي تمتد على مساحة شاسعة تبلغ 295 كيلومترا مربعا، ولا تقتصر اهميتها على كونها العمود الفقري للاقتصاد القطري فحسب، بل هي الضمانة الاولى لاستقرار امدادات الغاز في عشرات الدول، مما يجعل اي ضرر يلحق بها بمنزلة تهديد مباشر للتوازن الطاقي العالمي.
وتضم المدينة اكبر مجمع لوحدات تسييل الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، وهي ليست مجرد منشاة انتاجية، بل هي مركز لوجستي هائل، ففي عام 2025 كانت راس لفان وحدها مسؤولة عن انتاج وتصدير نحو 19 في المائة من اجمالي الغاز المسال عالميا، هذا الثقل يعني بلغة الارقام ان توقف العمل في هذا المجمع يؤدي الى اختفاء خمس المعروض العالمي فجاة، وهو عجز لا يمكن للسوق العالمية استيعابه بسهولة.
كما تمثل راس لفان المغذي الرئيسي لاكبر الاقتصادات الصاعدة في اسيا، حيث تعتمد هذه القوى بشكل شبه كلي على انتاجها، وتكشف البيانات ان شحنات المجمع تغطي اكثر من 20 في المائة من استهلاك الغاز في دول حيوية مثل الهند وباكستان وتايوان، وتشكل ايضا جزءا لا يتجزا من امن الطاقة في الصين وكوريا الجنوبية، مما يعني ان اي انقطاع طويل الامد يهدد بشلل النشاط الصناعي وارتفاع تكاليف المعيشة في تلك الدول.
ومع التحولات الجيوسياسية المتسارعة برزت راس لفان كاهم مورد بديل وموثوق للقارة الاوروبية الساعية لتنويع مصادر طاقتها، ومن شان غياب هذه الامدادات في التوقيت الراهن ان يضع الاسواق الاوروبية تحت ضغط سعري هائل، ويجبر الدول هناك على الدخول في منافسة مكلفة للحصول على الشحنات الفورية المتاحة، مما يفاقم من ازمة التضخم الطاقي في القارة العجوز.
وقد انعكست هذه التطورات الميدانية فورا على بورصات الطاقة، فقد قفزت عقود الغاز الاوروبية بنسبة تتجاوز 70 في المائة، بينما سجلت العقود الاسيوية ارتفاعا قياسيا بنسبة 88 في المائة، حتى السوق الاميركية التي تظل عادة بمنأى عن التقلبات العالمية لم تسلم من الارتفاع، وتشير التوقعات المحدثة الى ان متوسط اسعار الغاز قد يستقر عند 30 دولارا لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما يمثل ثلاثة اضعاف التوقعات السابقة التي كانت تشير الى 9 دولارات فقط، ما يعكس تحولا جذريا في التوازنات المالية للدول المستوردة.
وقال كوشال راميش نائب رئيس قسم الغاز والغاز الطبيعي المسال في شركة ريستاد انرجي ان اسعار الغاز الطبيعي المسال التي تضاعفت تقريبا منذ الضربات الاولية على ايران لتتجاوز 20 دولارا للوحدة قد ترتفع الان الى 30 دولارا في المتوسط لهذا العام اذا كانت الاضرار جسيمة وادت الى انقطاع اشهرا عدة.
ومن جهته قال شاؤول كافونيك محلل الطاقة في شركة ام اس تي ماركي قد تتسبب الهجمات على راس لفان في نقص عالمي طويل الامد في الغاز، واضاف انها بالغة الاهمية لانه حتى بعد انتهاء الحرب قد يستمر تاثيرها على الامدادات اشهرا او حتى سنوات ريثما يتم تنفيذ اعمال الاصلاح وتوفير قطع الغيار.
ويرى المراقبون ان التطورات الاخيرة تعني ان اعادة فتح المضيق لن تفضي فورا الى استئناف كامل لصادرات قطر المورد الرئيسي للهند وباكستان والصين وكوريا فضلا عن اوروبا، ويقولون ان استراليا بصفتها ثالث اكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم لا تملك مجالا يذكر لزيادة انتاجها لتعويض الصادرات القطرية المفقودة.
ويؤدي انقطاع انتاج محطة راس لفان الى تضييق حاد في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية التي كان من المتوقع ان تحقق فائضا هذا العام مع بدء مشاريع جديدة، ويهدد هذا الوضع بنقص في الامدادات في دول نامية تعاني من ضائقة مالية كالهند وبنغلاديش فضلا عن تباطؤ النشاط الصناعي وارتفاع فواتير الطاقة من المملكة المتحدة الى اليابان.
وتغطي مدينة راس لفان الصناعية مساحة 295 كيلومترا مربعا اي ما يعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريبا.
الى جانب معالجة الغاز الطبيعي المسال تضم المدينة منشات اخرى متعلقة بالغاز تشمل محطة لتحويل الغاز الى سوائل ومرافق تخزين الغاز الطبيعي المسال ووحدات فصل المكثفات ومصفاة نفط.
وكانت قطر للطاقة قد اعلنت ان هجوما وقع مساء الاربعاء الحق اضرارا بمحطة تحويل الغاز الى سوائل بينما استهدفت معدات الغاز الطبيعي المسال في هجوم ثان صباح الخميس.
وكانت عمليات الانتاج في راس لفان قد توقفت مطلع هذا الشهر اثر هجوم ايراني بطائرة مسيرة ما دفع شركة قطر للطاقة الى اعلان حالة القوة القاهرة على الشحنات ودفع المشترين الى البحث عن مصادر بديلة.
ووفقا لبيانات تتبع السفن التي جمعتها بلومبرغ شكلت منشاة راس لفان للغاز الطبيعي المسال نحو 19 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية في عام 2025 كما مثلت شحناتها اكثر من خمس اجمالي استهلاك الغاز في الهند وتايوان وباكستان.







