تصاعد التوتر في طهران: عمليات استخباراتية تكشف عن مواجهة غير تقليدية

في صورة تعكس تعقيدات الصراع الدائر، تشهد طهران ما يشبه حربا من نوع خاص، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع الاختراقات الاستخباراتية، وذلك في حملة متصاعدة تستهدف النظام الإيراني، بدءا من قياداته العليا وصولا إلى العناصر الميدانية، حسبما ذكر تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
في وقت كان علي لاريجاني، أحد الشخصيات الأمنية البارزة في إيران، يظهر بثقة خلال تجمع لأنصار النظام في طهران، ويؤكد عبر منصة إكس أن الشعب الشجاع لا يهزم، لم يكن يعلم أن أيامه معدودة، فبعد أيام قليلة، استهدفت ضربة صاروخية مخبأه في ضواحي طهران، لتودي بحياته وتفتح فصلا جديدا في التصعيد.
ولم تكن هذه العملية منفردة، ففي الليلة نفسها، قتل غلام رضا سليماني، قائد ميليشيا الباسيج، بعد معلومات قدمها مدنيون عن مكان اختبائه في منطقة حرجية، وتظهر هذه الحادثة مدى الاختراق الذي حققته الاستخبارات الإسرائيلية، معتمدة بشكل متزايد على معلومات من داخل المجتمع الإيراني، لتعويض القيود التي تفرضها الحرب.
ومنذ بداية المواجهة، تتضح ملامح استراتيجية إسرائيلية تعتمد على إضعاف النظام، من خلال ملاحقة عناصره في مقارهم ونقاط تجمعهم، وصولا إلى المخابئ المؤقتة، وأكدت تقديرات إسرائيلية أن آلاف الذخائر ألقيت على أهداف عديدة، بما في ذلك مواقع مرتبطة بالحرس الثوري والباسيج وقوى الأمن، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.
ويشير التقرير إلى أن هذا التصعيد، الذي يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والعمل الاستخباراتي، قد أثر على الوضع الداخلي في إيران، حيث بدأت تظهر علامات الارتباك تدريجيا، فالقوات الأمنية، التي كانت دائما العمود الفقري لسيطرة النظام، تواجه ضغوطا متزايدة، في الوقت الذي تواصل فيه تهديد الشارع ومنع أي تحرك احتجاجي، خوفا من انفجار داخلي قد يتزامن مع الضربات الخارجية.
وتظهر معطيات ميدانية أن الحملة لم تقتصر على القيادات، بل امتدت لتشمل البنية التحتية لقوات الأمن، من مستودعات المعدات إلى وحدات التدخل السريع، وصولا إلى الدراجات النارية المستخدمة في قمع الاحتجاجات، كما استهدفت الضربات مواقع بديلة لجأت إليها القوات بعد استهداف مقارها، بما في ذلك مجمعات رياضية تحولت إلى نقاط تجمع مؤقتة، مما يعكس حجم الضغط الواقع عليها.
وفي المقابل، تصف طهران هذه الضربات بأنها تستهدف أهدافا مدنية، مشيرة إلى سقوط ضحايا من الموظفين والمواطنين، بينما تؤكد إسرائيل أنها تضرب مراكز قيادة أمنية، حتى لو كانت مموهة داخل منشآت مدنية.
ولم تقتصر المواجهة على الجانب العسكري، إذ تكشف تسجيلات متداولة عن اتصالات مباشرة يجريها عناصر من الموساد مع قادة ميدانيين، مهددين إياهم وعائلاتهم بالاسم، وداعين إياهم إلى الانحياز للشعب في حال اندلاع انتفاضة، وفي إحدى هذه المكالمات، يرد أحد القادة بصوت يائس: أنا ميت أصلا... فقط ساعدونا، في تعبير يعكس الخوف والتصدع داخل بعض الدوائر.
ورغم هذا الضغط، يبقى إسقاط النظام بالقوة العسكرية أمرا مشكوكا فيه، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن القصف الجوي، مهما بلغت كثافته، نادرا ما ينجح في إحداث تغيير سياسي حاسم، بل تحذر بعض التقديرات من أن صمود النظام قد يمنحه زخما إضافيا، وربما يجعله أكثر تشددا.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن إيران تقف اليوم أمام مفترق طرق، حيث يتآكل جزء من بنية النظام تحت وطأة الضربات، بينما يبقى الحسم معتمدا على عامل داخلي حاسم، وهو إرادة الشارع الإيراني نفسه.
وبين مشاهد الاستهداف وحالة الترقب التي تسود الشارع، تتشكل ملامح مرحلة غامضة، تختلط فيها حسابات القوة مع معاناة الناس اليومية، في بلد يقف على حافة تحولات كبرى، ولا تزال نتائجها مفتوحة على كل الاحتمالات.







