اليابان توازن بين الانضباط المالي وتشديد السياسة النقدية

تسعى اليابان إلى طمأنة الأسواق بشأن قدرتها على ضبط أوضاع المالية العامة، بالتوازي مع تحول تدريجي في السياسة النقدية نحو مزيد من التشديد، في مرحلة دقيقة تشهد ارتفاعاً في عوائد السندات، وضعفاً في الين، وضغوطاً تضخمية متراكمة. وتأتي هذه التحركات في سياق محاولة رسم مسار متوازن بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار المالي.
ميزانية قياسية بانضباط مالي معلن
وأكدت ساناي تاكايتشي، اليوم الخميس، أن مشروع ميزانية العام المالي المقبل يحافظ على الانضباط المالي رغم تسجيله حجماً قياسياً جديداً. وقالت إن الميزانية التي يبدأ تنفيذها في أبريل ستبلغ نحو 122.3 تريليون ين، وهو أكبر حجم في تاريخ البلاد، لكنها شددت على أن ذلك لا يعني التخلي عن ضبط المالية العامة أو التوسع غير المسؤول في الاقتراض.
تقليص إصدار السندات وخفض الاعتماد على الدين
وأوضحت تاكايتشي أن إصدار السندات الحكومية الجديدة سيبقى عند حدود 29.6 تريليون ين، أي دون مستوى 30 تريليون ين للعام الثاني على التوالي، في إشارة إلى حساسية الحكومة تجاه تفاقم الدين العام. وأضافت أن نسبة الاعتماد على الدين في تمويل الميزانية ستتراجع إلى 24.2 في المائة مقارنة بالميزانية الأولية السابقة، لتنخفض دون 30 في المائة للمرة الأولى منذ 27 عاماً.
توازن بين النمو والاستدامة المالية
واعتبرت رئيسة الوزراء أن هذا النهج يعكس توازناً مدروساً بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على الاستدامة المالية، في ظل ارتفاع تكاليف الرعاية الاجتماعية والدفاع وخدمة الدين. وأكدت أن الحكومة ترى في مشروع الميزانية «صيغة متوازنة» تعزز اقتصاداً قادراً على النمو المستدام دون تعريض المالية العامة لمخاطر إضافية.
إشارات نقدية واضحة من بنك اليابان
في المقابل، بعث محافظ بنك اليابان كازو أويدا برسائل واضحة تؤكد استعداد البنك لمواصلة رفع أسعار الفائدة إذا استمرت المؤشرات الاقتصادية والتضخمية في التحسن. وقال أويدا إن التضخم الأساسي «يتسارع بشكل تدريجي ومستقر» ويقترب من هدف البنك البالغ 2 في المائة، ما يفتح المجال لمزيد من تقليص الدعم النقدي.
فائدة عند أعلى مستوى منذ عقود
وجاءت تصريحات أويدا بعد قرار البنك المركزي رفع سعر الفائدة إلى 0.75 في المائة، وهو أعلى مستوى تشهده اليابان منذ 30 عاماً، في خطوة وُصفت بأنها محطة مفصلية في مسار إنهاء عقود من السياسات النقدية فائقة التيسير. وأوضح أن أسعار الفائدة الحقيقية لا تزال منخفضة، ما يمنح البنك هامشاً لمزيد من الرفع التدريجي إذا تحققت التوقعات الأساسية.
الأجور والتضخم في حلقة متصاعدة
وأشار محافظ البنك إلى أن سوق العمل ستظل مشدودة نتيجة عوامل هيكلية، أبرزها تراجع عدد السكان في سن العمل، ما يبقي الضغوط التصاعدية على الأجور قائمة. وأضاف أن الشركات باتت تمرر ارتفاع تكاليف العمالة والمواد الخام إلى نطاق أوسع من السلع والخدمات، ما يعزز تشكل حلقة أكثر استقراراً بين الأجور والتضخم.
ضعف الين يفرض تحديات إضافية
ورغم هذه التطورات، لا يزال ضعف الين مصدر قلق لصناع القرار، إذ يرفع تكاليف الواردات ويزيد الضغوط التضخمية، ما ينعكس على الاستهلاك المحلي. ويراقب المستثمرون نبرة بنك اليابان بحثاً عن إشارات أوضح بشأن وتيرة التشديد المقبلة، في وقت يتوقع فيه محللون تثبيت الفائدة في الاجتماع القادم مع التركيز على تحديث توقعات النمو والتضخم.
مسار دقيق في اقتصاد متحوّل
وبين ميزانية توسعية منضبطة وسياسة نقدية تميل إلى التشديد التدريجي، تحاول اليابان رسم مسار دقيق يوازن بين دعم النمو واحتواء المخاطر المالية، في مرحلة تشهد تحولات عميقة في الاقتصاد المحلي والبيئة العالمية.







