الذكاء الاصطناعي يتصدر استراتيجيات الاستثمار العالمية في 2026

مع اقتراب عام 2026، يرسّخ الذكاء الاصطناعي موقعه كأحد الأعمدة الرئيسية في استراتيجيات الاستثمار العالمية، بعدما تجاوز كونه اتجاهاً تقنياً إلى عنصر بنيوي يعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي. فالمستثمرون اليوم لا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعاً مستقلاً فحسب، بل كقوة عابرة للقطاعات تؤثر في الإنتاجية، وسلاسل القيمة، وتقييم الشركات، وقدرتها على الصمود في بيئة اقتصادية وجيوسياسية شديدة التعقيد.
خلال الأعوام الأخيرة، أصبحت القدرة على توظيف الحوسبة المتقدمة والخوارزميات الذكية معياراً أساسياً للحكم على متانة الشركات، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتضخم، وأسعار الفائدة، والتوترات التجارية، والتحولات الجيوسياسية.
الذكاء الاصطناعي… من سردية نمو إلى ركيزة استثمارية
ترى بيوت خبرة مالية عالمية أن الحديث عن تراجع زخم الذكاء الاصطناعي مبالغ فيه. إذ تشير التقديرات إلى أن هذا القطاع سيظل محركاً رئيسياً للنمو، ليس فقط لشركات التكنولوجيا الكبرى، بل أيضاً للصناعة، والخدمات المالية، والرعاية الصحية، والطاقة، وحتى قطاعات التجزئة والنقل.
ويؤكد محللو باركليز أن المخاوف من انهيار «سردية الذكاء الاصطناعي» لا تستند إلى معطيات واقعية، مشيرين إلى أن الابتكارات المتواصلة، إلى جانب التحسن التدريجي في السياسة النقدية، ستدعم الأسواق لفترة أطول مما يتوقعه المتشائمون.
توقعات إيجابية للأسهم الأميركية
تجمع تقديرات المؤسسات المالية الكبرى على أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مرشح لمواصلة الصعود خلال عام 2026، مدعوماً بتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحسن هوامش الربحية.
وتشير التوقعات إلى أن المؤشر قد يحقق مكاسب إضافية تقارب اثني عشر في المائة، ليصل إلى مستويات تاريخية جديدة، ما يعني تسجيله عدة أعوام متتالية من الصعود، في حال استمرت العوامل الداعمة الحالية.
وتتراوح تقديرات المؤسسات الاستثمارية الكبرى للمؤشر بين مستويات محافظة وأخرى أكثر تفاؤلاً، في انعكاس لحالة الثقة الحذرة التي تسود الأسواق.
رؤية شركات الوساطة الكبرى
تقديرات بيوت الاستثمار العالمية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 لعام 2026 جاءت متقاربة نسبياً، مع اختلاف في درجة التفاؤل:
بنك أوف أميركا يتوقع وصول المؤشر إلى مستوى متحفظ نسبياً
باركليز ويو بي إس يضعان تقديرات في نطاق متوسط يعكس استمرار النمو دون قفزات حادة
غولدمان ساكس ومورغان ستانلي يتبنيان نظرة أكثر تفاؤلاً، مدفوعة بانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات
مؤسسات أخرى ترجّح مستويات أعلى في حال تراجع الضغوط التضخمية واستمرار التيسير النقدي
هذا التباين يعكس اختلاف تقييم المخاطر، لا اختلاف الرؤية العامة حول دور الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً أساسياً للأسواق.
النمو الاقتصادي العالمي… صورة متباينة ولكن مستقرة
على صعيد الاقتصاد الكلي، تشير التوقعات إلى نمو عالمي يتراوح بين معدلات معتدلة وإيجابية نسبياً. فالاقتصاد الأميركي مرشح لتحقيق نمو مستقر، مدعوماً بمرونة سوق العمل واستثمارات التكنولوجيا المتقدمة، في حين يُتوقع أن تسجل منطقة اليورو نمواً أبطأ نتيجة التحديات الهيكلية، مقابل أداء أفضل نسبياً في المملكة المتحدة مقارنة بالعامين السابقين.
أما على المستوى العالمي، فتشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيكون عاملاً مشتركاً في دعم النمو، عبر رفع الكفاءة التشغيلية، وتسريع الابتكار، وتعويض جزئي لتباطؤ بعض الاقتصادات التقليدية.
المخاطر قائمة… ولكن
رغم النظرة الإيجابية، يحذر محللون من أن الأسواق ليست بمنأى عن المخاطر. فالتقييمات المرتفعة لبعض أسهم التكنولوجيا، واحتمال عودة الضغوط التضخمية، والتوترات الجمركية والجيوسياسية، قد تؤدي إلى فترات تصحيح مؤقتة.
إلا أن غالبية التقديرات ترى أن هذه التصحيحات – إن حدثت – ستكون ضمن مسار صاعد أوسع، طالما استمرت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، وحافظت البنوك المركزية على مسار نقدي داعم للنمو.
الذكاء الاصطناعي كمعيار استثماري جديد
في المحصلة، لم يعد السؤال المطروح لدى المستثمرين: هل يستمر الذكاء الاصطناعي؟ بل: من يستطيع استثماره بكفاءة؟ فالشركات القادرة على دمج التقنيات الذكية في نماذج أعمالها، وتحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية، هي الأوفر حظاً في جذب رؤوس الأموال خلال عام 2026 وما بعده.
وبين التفاؤل الحذر والتحديات المتوقعة، يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيظل في قلب القرار الاستثماري العالمي، بوصفه أحد أبرز محددات الاتجاهات الاقتصادية في العقد الحالي.







