هل أُسيء فهم مكيافيلّي؟

نادرا ما تحوّل كتاب سياسي الى تهمة اخلاقية كما حدث مع كتاب الامير
فاسم مؤلفه نيقولا مكيافيللي ما زال يستخدم للدلالة على الخداع والانتهازية وكأن الرجل اخترع الشر السياسي لا انه حاول فهمه ووصفه
غير ان قراءة هادئة ومتأنية للكتاب تكشف صورة مختلفة تماما
مكيافيللي لم يكن واعظا اخلاقيا ولا منظرا للاستبداد بل مفكرا كتب السياسة كما تمارس فعليا لا كما نحب ان نراها او نتمنى ان تكون
كُتب الامير في زمن كانت فيه ايطاليا ساحة مفتوحة للصراعات
دويلات متناحرة تحالفات مؤقتة جيوش مرتزقة وسلطات تسقط عند اول اختبار
في هذا السياق لم يكن السؤال كيف يكون الحاكم فاضلا
بل كيف تبقى الدولة قائمة
ينطلق مكيافيللي من قراءة واقعية للطبيعة البشرية
الناس يبدلون ولاءهم بتبدل المصالح
ويقفون مع السلطة في الرخاء ويتخلون عنها في الازمات
وتحكمهم المخاوف والطموحات بقدر ما تحكمهم القيم
والحاكم الذي يتجاهل هذه الحقائق مهما كانت نواياه محكوم بالفشل
في قلب تحليل الامير ثنائية اساسية بين الحظ والمهارة
الازمات قد تواجه اي دولة لكن الفارق الحقيقي هو قدرة الحاكم على التعامل معها
النجاح هنا لا يقوم على الخطاب الاخلاقي بل على سرعة القرار والمرونة والاستعداد للصدمات
الدول لا تسقط لان الظروف قاسية فقط بل لانها تعجز عن التكيف
اكثر ما اثار الجدل في الامير هو موقفه من الاخلاق
مكيافيللي لا يلغيها لكنه يميز بين اخلاق الفرد واخلاق الدولة
فالقرار الانساني في ظاهره قد يقود الى فوضى عامة
بينما قرار قاس في لحظة محددة قد يمنع انهيارا اشمل
هو لا يبرر الظلم لكنه يشرح منطق السياسة تحت ضغط الضرورة لا المثاليات
وعندما سأل ايهما افضل للحاكم محبة الناس ام خوفهم
لم يكن يحتفي بالقسوة بل يصف واقعا
الخوف اكثر ثباتا لان المحبة متقلبة
لكنه حذر بوضوح من تحول الخوف الى كراهية
لان الكراهية تهدم السلطة من الداخل
لذلك شبّه الحاكم الناجح بمزيج من الاسد والثعلب
قوة بلا ذكاء ترهق الدولة
وذكاء بلا قوة يعرّيها
والسياسة ليست فضيلة مجردة بل فن توازن دائم
يميز مكيافيللي ايضا بين الدول الموروثة والدول الجديدة
في الدول الجديدة تكون الشرعية هشة والمعارضة كامنة
والحزم في البدايات ليس خيارا اخلاقيا بل ضرورة سياسية
لان التراخي المبكر يفتح الباب للفوضى قبل ترسخ الدولة
كما رفض الاعتماد على الجيوش المرتزقة او قوى الحلفاء
معتبرا ان الدولة التي لا تحتكر ادوات القوة لا تملك قرارها
وان القوة التي لا تخضع لها تتحول عاجلا ام اجلا الى تهديد وجودي
بعد اكثر من خمسة قرون لا يزال الامير حاضرا
لان منطق السياسة لم يتغير جذريا بل تغيرت ادواته
الكتاب لا يعلم الطغيان ولا يقدم وصفة اخلاقية
بل يكشف كيف تعمل السلطة حين تسقط الاقنعة
لهذا لم يكن مكيافيللي شريرا كما صُوّر
بل كان صريحا اكثر مما يحتمل ضمير مثالي
ولهذا اسيء فهمه
ولهذا ما زال يُقرأ







