الذكاء الاصطناعي يعزز مكانة سيلز فورس والبرمجيات المؤسسية.. كيف نجت من الاندثار؟

في مشهد اقتصادي يترقبه الجميع، وبينما كانت التوقعات تشير إلى اندثار شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي، جاءت النتائج على عكس المتوقع. فبدلا من أن تحل نماذج الذكاء الاصطناعي محل هذه الشركات، تمكنت البرمجيات المؤسسية من استيعاب الذكاء الاصطناعي ودمجه في صميم عملياتها.
كشف تقرير استراتيجي صادر عن مصرف "إتش إس بي سي" أن البرمجيات المؤسسية لم تصمد فحسب، بل قامت بتأميم الذكاء الاصطناعي ليصبح خادما داخل أسوارها المنيعة.
لماذا لم تنجح النماذج العامة في السيطرة على الشركات؟
يرى المحلل الاستراتيجي في "إتش إس بي سي" ستيفن بيرسي أن النماذج اللغوية الكبيرة تمتلك "ذكاء واسعا لكنه يفتقر للعمق الإداري".
وتبين أن بناء نظام محاسبي أو ضريبي لشركة عابرة للقارات لا يتطلب "إبداعا لغويا"، بل التزاما صارما بقوانين معقدة وتحديثات لحظية. فالنماذج العامة تعاني من "الهلوسة الرقمية"، بينما تمتلك الأنظمة المؤسسية "ذاكرة مؤسسية" بنيت عبر عقود.
ووفقا لتقرير من "غارتنر"، اعتبر 75% من المديرين التنفيذيين أن إرسال بيانات الشركة الحساسة إلى نماذج عامة "انتحارا أمنيا"، مفضلين الحلول المدمجة التي توفرها شركات البرمجيات الموثوقة.
خرافة البناء الذاتي
كان الرهان أن الشركات ستستغني عن الاشتراكات السنوية لتبني برمجياتها الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك.
واشار تقرير "فورستر" للأبحاث إلى أن "تكلفة الصيانة" للكود الذي يولده الذكاء الاصطناعي أصبحت عبئا هائلا، حيث تفتقر هذه الأكواد إلى الهيكلية المستدامة. فالشركات التي حاولت "البناء الذاتي" وجدت نفسها تنفق 40% أكثر على مهندسي الصيانة والأمن السيبراني مقارنة بتكلفة الاشتراك في برمجيات جاهزة ومطورة.
وكان التحول الحقيقي الذي رصده "إتش إس بي سي" هو تحول البرمجيات من "أدوات صماء" إلى "وكلاء تنفيذيين". فالقيمة اليوم لا تكمن في محرك الذكاء الاصطناعي، بل في سياق البيانات (Data Context)، والبرمجيات هي التي تملك المفاتيح لهذا السياق.
وبدلا من أن يذهب المحاسب إلى شات بوت ليسأله عن ميزانية الشركة، قامت شركات البرمجيات بدمج "وكلاء" داخل النظام يقومون بإغلاق الحسابات الشهرية والتنبؤ بالتدفقات النقدية تلقائيا، مما جعل الذكاء الاصطناعي ميزة إضافية ترفع سعر الاشتراك بدلا من أن تقتله.
عام الحصاد للبرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي
تشير بيانات سوق الأسهم إلى أن المستثمرين أعادوا تقييم شركات البرمجيات بناء على قدرتها على "تسييل" الذكاء الاصطناعي.
فسجلت شركات مثل "سيرفيس ناو" و"أدوبي" أرباحا قياسية بفضل ميزات الذكاء الاصطناعي المدمجة. وبينما أصبحت النماذج اللغوية "سلعة" متوفرة للجميع، تظل "المنصة" هي الحصن الحصين الذي يربط العمليات ببعضها.
واكد الخبراء أن الصراع لم يعد صراع برمجيات ضد ذكاء اصطناعي، بل أصبح برمجيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي ضد الفوضى التقنية. فالذكاء الاصطناعي هو المحرك، لكن البرمجيات هي السيارة، ولا يمكن للمحرك أن يوصلك إلى وجهتك دون هيكل ونظام توجيه ومقاعد آمنة.







