بين الامل والياس: معاناة جرحى غزة على بوابات معبر رفح

غزة: معاناة الجرحى على معبر رفح تزداد مع استمرار الاغلاق
تحت شمس غزة الشاحبة، يمتزج ضجيج المحركات بصمت الانتظار الثقيل في ساحة غزاها الركام، وأمام بوابات الجانب الفلسطيني من معبر رفح، تصطف مركبات بيضاء تحمل شعارات دولية، تحاول أن تكون جسرا بين وجع غزة وأمل الشفاء في ما وراء الحدود.
الغبار العالق في الهواء لا يغطي تفاصيل الدمار المحيط، فالمباني المثقوبة بالقذائف تطل كشهود صامتة على رحلة هروب قسرية من الألم.
خلف السياج الحديدي لمستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني، تتراص أصابع أطفال لم يبلغوا الحلم بعد، يراقبون في ذهول موكبا يشق طريقه نحو المجهول، وبالنسبة لهؤلاء الصغار، ليست هذه الحافلات مجرد وسيلة نقل، بل "قوارب نجاة" تحمل أحبّة قد لا يعودون قريبا.
وجع الفراق يلاحق المرضى والجرحى
في جوف إحدى سيارات الإسعاف، يختنق الهواء برائحة المعقمات والألم، وجسد منهك مسجى على سرير ضيق، تحيط به أنابيب الأكسجين كأنها خيوط حياة واهنة، وفي حين تمتد يد مسعف ببدلته الزرقاء لتمسح عن جبين الجريح عرق الوجع وخوف الفراق، فكل حركة محسوبة، وكل نظرة تحمل سؤالا صامتا عن احتمالات النجاة.
وعلى مقربة منه، خلف زجاج حافلة هشّمته الشظايا، تبرز ملامح مسافرين أنهكهم الرحيل، يودّعون الأرض التي سكنت فيهم قبل أن يسكنوا فيها.
وبين صرخات مكتومة وتكبيرات خافتة، تقف الحاجة خديجة، أم العبد، تمسك بطرف ثوبها كأنها تتمسك بخيط أخير يربطها بابنها، وعيناها معلقتان بباب سيارة الإسعاف، وقلبها يركض خلفها قبل أن تتحرك عجلاتها.
انه مشهد "التغريبة الطبية" حيث يصبح السفر للعلاج قطعة من العذاب، وحيث تتحول الحدود إلى امتحان قاس للأمهات، ويغدو الشفاء حلما معلقا بين ركام الحرب وقضبان الانتظار.
الحاجة خديجة، والدة الجريح محمود العبد، تختصر حكاية عامين من الألم في جملة واحدة "أصيب ابني في ساقه، وهو يعاني الآن من نقص حاد في الكتلة العظمية وتهتك شديد، تبعته مضاعفات طبية قاسية في العظام".
تروي أن الإصابة وقعت قبل عامين تقريبا عند مفترق البريج وسط قطاع غزة، وحينما كان محمود يعمل في تركيب أنظمة السخانات الشمسية، استهدف صاروخ المكان، فأصيب في ساقه، كما استقر عيار ناري في صدره، ما أدى إلى اختراق شظية لموضع المعدة تسبب في تمزق بها.
ومنذ تلك اللحظة، تقول الأم، تبدلت حياتهم بالكامل، إذ دخل محمود المستشفى مرات كثيرة، وأجرى عمليات عدة، ولكن الأطباء قالوا إن العلاج الحقيقي يحتاج إلى جراحات متقدمة خارج غزة.
تنساب الدموع من عينيها وهي تضيف: يشهد الله أني حزينة جدا على فراقه، والفراق شاق على النفس، ولكنني أتمنى أن يعود إليّ معافى، فكل ما أريده أن أراه يمشي على قدميه من جديد.
معبر رفح: نافذة الامل التي اغلقت
في الثاني من فبراير/شباط الماضي، أُعيد فتح معبر رفح جزئيا أمام الحالات الإنسانية، وعلى رأسها المرضى والجرحى، وفق آلية تفويج محددة سمحت بسفر نحو 50 إلى 60 مريضا يوميا مع مرافق واحد لكل حالة.
ولكن هذا الأمل لم يدم طويلا، إذ أغلقت سلطات الاحتلال المعبر مجددا أمام حركة الأفراد والمصابين، لدواع أمنية، في أعقاب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ما أعاد آلاف الأسماء إلى قوائم الانتظار القاسية، وهكذا تحوّل إدراج اسم المريض في كشف السفر إلى مرحلة معلقة لا يعرف صاحبها متى يحين موعد عبوره.
من حسن حظ الشاب محمود العبد أنه غادر بوابات المعبر قبل الإغلاق بأيام قليلة، والتقته الجزيرة نت على سرير الإسعاف وهو يحاول أن يبدو متماسكا أمام والدته، وقال بصوت خافت "أعرف أن أمي تتألم أكثر مني، ولكنني مضطر للسفر، وأريد أن أعود واقفا على قدمي".
يستعيد لحظة الإصابة، ويقول إنه شعر بحرارة تشتعل في ساقيه عندما سقط الصاروخ، ثم فقدت الإحساس بكل شيء، وعندما أفاق أخبروه أن هناك تهتكا شديدا في العظم وأن شظية أصابت معدته.
وتيرة الاجلاء الطبي بطيئة جدا
وراء قصة محمود، تقف آلاف القصص المشابهة لجرحى لم يتمكنوا من عبور المعبر قبل إغلاقه، وبعضهم ينتظر منذ شهور طويلة فرصة علاج خارج القطاع.
ووفق بيانات حديثة صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حتى مطلع عام 2026، فإن أكثر من 18 ألف مريض وجريح في غزة ما زالوا بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل خارج القطاع لتلقي علاج متخصص غير متوفر محليا، وبينهم آلاف الأطفال.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن وتيرة الإجلاء الحالية بطيئة للغاية مقارنة بحجم الاحتياج، ما يعني أن آلاف الحالات ستظل في دائرة الانتظار ما لم تُفتح المعابر بصورة منتظمة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح السفر للعلاج أشبه بفرصة نجاة نادرة، في حين يتحول الانتظار إلى اختبار يومي للألم والصبر.
محمد عياد، 31 عاما، أحد الجرحى الذين لم يحالفهم الحظ في السفر، وأصيب في قصف استهدف حي الشجاعية وأدى إلى تهتك شديد في عظم الفخذ، ويقول "أخبرني الأطباء أنني بحاجة إلى جراحة تثبيت معقدة في الخارج، ومنذ أشهر وأنا أنتظر اسمي في كشف السفر".
يضيف وهو يشير إلى ساقه المثقلة بالجبائر- أن الألم يزداد يوما بعد يوم، ولكن الأصعب هو الشعور بأن العلاج قريب جدا خلف الحدود، ومع ذلك لا يستطيع الوصول إليه.
أما عبد الرحمن أبو عودة، 24 عاما، فأصيب بشظايا في العمود الفقري خلال قصف استهدف منزله في مخيم النصيرات، ويوضح أن الأطباء قالوا إنه بحاجة إلى عملية دقيقة في الأعصاب، وإذا تأخرت كثيرا قد يفقد القدرة على الحركة.
معاناة مرضى غزة تتفاقم بسبب اغلاق المعبر
الطبيب في مستشفى الشفاء الدكتور سامر حمدان يوضح أن إصابة محمود معقدة ومركبة، ويقول "هناك نقص حاد في الكتلة العظمية نتيجة التهتك، إضافة إلى مضاعفات في المعدة بسبب الشظية".
ويضيف أن مثل هذه الحالات تحتاج إلى جراحات ترميم عظم متقدمة غير متوفرة داخل القطاع، ولكن المشكلة، كما يقول، لا تتعلق بحالة محمود وحده "فلدينا آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات تخصصية خارج غزة، ولكنهم لا يستطيعون السفر".
ويؤكد أن التأخير في مثل هذه الحالات قد يؤدي إلى التهابات مزمنة أو تلف دائم في الأعصاب والعظام.
من جهته، يقول أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، إن حرمان المرضى والجرحى من السفر للعلاج يمثل انتهاكا واضحا للقانون الدولي الإنساني.
يوضح أن الحق في العلاج حق أساسي لكل إنسان، ولكن آلاف المرضى في غزة يُحرمون منه بسبب القيود المفروضة على حركة السفر.
ويضيف أن إغلاق المعابر وفرض القيود على دخول المعدات الطبية والكوادر يزيد من تدهور النظام الصحي في القطاع، وأن المطلوب اليوم فتح ممرات طبية آمنة ومستدامة للمرضى والجرحى، لأن حياتهم لا تحتمل الانتظار، حسب تعبيره.
وفي حين تتحرك سيارة الإسعاف حاملة محمود نحو بوابة المعبر، تظل الحاجة خديجة واقفة في مكانها، وتتابعها بعينين دامعتين، وترفع يديها بالدعاء، كأنها تحاول أن تحيط ابنها بحماية لا تستطيع الحدود أن تمنحها.
وراءها يقف آخرون ينتظرون دورهم في الرحيل، وجرحى لا يزالون على الجانب الآخر من البوابة، حيث يبقى الشفاء حلما مؤجلا، والانتظار قدرا يوميا لا ينتهي.







