تصاعد العنف الاستيطاني في الضفة: قتلى وجرحى في هجمات متزايدة

تصاعدت وتيرة العنف الاستيطاني في الضفة الغربية بشكل ملحوظ. حيث شهدت الأيام الأخيرة وقوع قتلى وجرحى فلسطينيين نتيجة لهجمات متزايدة من المستوطنين. وتأتي هذه الأحداث في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. مما يثير مخاوف بشأن مستقبل الاستقرار في المنطقة.
هجوم دير أبو فلاح: تفاصيل مروعة
في تفاصيل ما جرى في قرية دير أبو فلاح. الواقعة شمال شرق رام الله. يروي عمر حمايل. أحد سكان القرية. كيف واجه هو وأهالي قريته هجوما واسعا من قبل المستوطنين. ويقول حمايل إن هذا الاعتداء هو الأوسع والأعنف الذي تشهده القرية. مؤكدا أنه لولا تصدي الأهالي للهجوم لوقعت مجزرة.
وبين حمايل أن مجموعة من شبان القرية تنبهت لتحركات مريبة لمجموعة كبيرة من المستوطنين على أطراف القرية. وكما جرت العادة. تم إرسال تنبيه عبر المجموعات الإلكترونية للأهالي للتجمع والتصدي لأي اقتحام محتمل.
تجمع الأهالي والمواجهات الدامية
وصل التنبيه إلى حمايل. الذي سارع إلى مسجد القرية ودعا عبر مكبرات الصوت إلى التجمع. ثم توجه مع آخرين إلى موقع التجمع. واضاف حمايل أن هذه المرة كان الأمر مختلفا. حيث بلغ عدد المستوطنين نحو 100 شخص. قادمين من مستوطنات مختلفة في البؤرة الاستيطانية المقامة حديثا على أراضي القرية.
ووقعت مواجهات عنيفة بالحجارة بين الأهالي والمستوطنين. وتمكن الأهالي من منع تقدم المستوطنين لدقائق. قبل أن تقترب مركبة للمستوطنين. وبعد لحظات. سُمعت أصوات إطلاق الرصاص.
وكشفت مصادر طبية عن إصابة مواطنين في رأسيهما. مما أدى إلى استشهادهما على الفور. كما أصيب خمسة آخرون. وبعد ذلك. وصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي وبدأت بتفريق الأهالي بإطلاق قنابل الغاز لحماية المستوطنين. مما أدى إلى إصابات بالاختناق. استشهد على إثرها فلسطيني ثالث.
تصاعد الاعتداءات بعد الهجوم على إيران
واوضح مراقبون أن استشهاد الفلسطينيين الثلاثة جاء بعد ساعات من إعلان استشهاد أمير محمد شناران. البالغ من العمر 27 عاما. برصاص مستوطنين من مستوطنة سوسيا. المقامة على أراض في منطقة واد الرخيم بمسافر يطا. جنوبي الضفة الغربية.
وبين شهود عيان أن قرابة عشرة مستوطنين اقتحموا مساكن الشهيد شناران وعائلته. واعتدوا عليهم بالضرب. ثم وصلت مركبة دفع رباعي. ترجل منها مستوطن يرتدي زي جيش الاحتلال الإسرائيلي. وبدأ بإطلاق الرصاص بشكل مباشر. مما أدى إلى إصابة أمير شناران برصاصة قاتلة في رأسه. وإصابة شقيقه بأخرى في بطنه.
واكد ناشطون أن إطلاق الرصاص باتجاه الفلسطينيين من قبل المستوطنين ليس بالأمر الجديد. لكن تزايد حدة هذه الاعتداءات هو الملاحظ منذ الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران في 28 فبراير.
وفي هذا السياق. كشفت مصادر محلية عن استشهاد فلسطينيين شقيقين في قرية قريوت جنوبي مدينة نابلس بهجوم مشابه للمستوطنين. ليرتفع عدد الفلسطينيين الذين قتلوا خلال أسبوع الحرب الأول إلى ثمانية. وهو عدد غير مسبوق. كما صرح الناشط عايد غفري. المتابع لاعتداءات المستوطنين.
صلاحيات مفتوحة ودم يسيل: تحليل للوضع المتفاقم
بين غفري أن المستوطنين منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023 يعملون على تنفيذ جميع مخططاتهم على الأرض من خلال ممارسة الإرهاب الممنهج ضد الفلسطينيين. لكن في الأسبوع الأخير كانت "التكلفة هي الدم".
وتابع غفري أن "خلال الفترة الفائتة لاحظنا أن كل الصلاحيات أصبحت مفتوحة أمام المستوطنين للسيطرة على الضفة الغربية. والقضاء على كل من يقف عائقا في طريقهم".
واستند غفري في تحليله لخطورة ما يجري حاليا واستغلال المستوطنين لظرف العدوان والانشغال الدولي. إلى ما استطاع المستوطنون تكريسه على الأرض خلال الحرب على القطاع "فخلال هذه الفترة تمكنوا من تفريغ مناطق "ج" تقريبا من التجمعات البدوية التي كانت تشكل عائقا أمام توسعهم وسيطرتهم على الأراضي".
وبحسب الأرقام الموثقة. فمنذ بداية عام 2026 وحتى 18 فبراير الماضي. هُجّر نحو 700 فلسطيني من تسعة تجمعات سكانية بسبب هجمات المستوطنين. 600 منهم هُجّروا من تجمع رأس عين العوجا البدوي في محافظة أريحا. بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
ويعد هذا أعلى معدل يُسجَّل منذ اندلاع الحرب على غزة قبل أكثر من عامين. وفق غفري الذي أكد أن عنف المستوطنين أصبح عاملا رئيسيا في التهجير القسري في الضفة الغربية.
86 اعتداء في أسبوع: أرقام مقلقة
محليًّا. وثّق مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة بين 16 و23 فبراير الماضي 86 اعتداءً للمستوطنين استهدفت 60 تجمعا فلسطينيا. وأسفرت عن تهجير 186 شخصا وإصابة 64 آخرين. بعضهم بالرصاص. وإحراق 39 مركبة واقتلاع 800 شجرة زيتون. إضافة إلى اعتداءات جسدية ومنع رعاة من الوصول إلى أراضيهم.
واظهرت البيانات أن هذه المعطيات ارتفعت بنسبة 25%. بحسب المدير العام للتوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود. خلال فترة الحرب على إيران التي لم تتجاوز عشرة أيام بعد.
وشدد داود على أنه "ليس فقط ارتفاع وتيرة الاعتداءات. وإنما نوعية هذه الاعتداءات؛ فهذه هي المرة الأولى التي نشهد فيها هذا العدد من الشهداء خلال فترة قصيرة".
وبين داود أن المستوطنين سيطروا على معظم الأراضي المصنفة "ج" حسب اتفاقية أوسلو. وتُقدَّر مساحتها بـ61% من مساحة الضفة الغربية. وهو ما جعلهم ينتقلون إلى الجزء الثاني من خطتهم -حسب غفري- وهي المناطق السكنية الفلسطينية والمناطق المصنفة "ب" التي تخضع إداريا للسلطة الفلسطينية بحسب اتفاقية أوسلو. وتُقدَّر مساحتها بنحو 23.7% من إجمالي الضفة الغربية. ثم يزحفون إلى قلب القرى والتجمعات الفلسطينية.
مهمات صعبة: لجان الحراسة الشعبية
وفي حالة قرية "أبو فلاح". فإن يقظة الأهالي ووجود لجان الحراسة الشعبية مكّنا من تنبيه أهالي القرية لصد عدوان المستوطنين. بالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته القرية. لكنهم قطعوا الطريق أمام مخططات المستوطنين التي أعلنوا عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بحرق منازل في القرية وإقامة نواة بؤرة استيطانية جديدة على أطرافها. وهو ما يعيد إلى الواجهة أهمية التحركات الشعبية للتصدي لعدوان المستوطنين.
والمقصودة هنا لجان الحراسة الليلية المُشكلة من الأهالي في التجمعات الفلسطينية المهددة بالاستيطان والأكثر عرضة لاعتداءات المستوطنين. وتقوم هذه اللجان بمناوبات ليلية لرصد أي تحركات للمستوطنين وتنبيه الأهالي لصدها. ويكون ذلك غالبا بالحجارة أو العصي أو التجمع في المناطق التي تتعرض للاعتداءات.
وبالرغم من ملاحقة الاحتلال لهذه اللجان. وضعف الدعم الرسمي لها. فإنها -كما بين غفري ويتفق معه حمايل- تُعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة في ظل الصلاحيات المفتوحة للمستوطنين.
واكد غفري أنه "علينا أن نتعامل مع مستوى الخطورة. وألا تبقى هذه اللجان مجرد ردة فعل على اعتداءات المستوطنين ومن دون تنظيم ممنهج لها؛ فعدم التنظيم يرفع حجم الخسائر الفلسطينية التي أصبحت في الفترة الأخيرة خسائر في الأرواح".







