الذكاء الاصطناعي في الجامعات: هل نربي جيلا يعتمد على عقول مستعارة؟

يواجه قطاع التعليم العالي تحولا جذريا مع اتساع نطاق الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي باتت تتدخل في صلب العملية الاكاديمية وتختصر مجهودات بحثية كانت تتطلب اياما من العمل في دقائق معدودة، الامر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل التفكير النقدي لدى الطلبة ومدى قدرة الجامعات على ضبط هذه الادوات التي اصبحت منافسا قويا للجهد البشري.
واكد نائب عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الهاشمية الدكتور فراس العسلي ان الجامعات تشهد نقاشات حادة حول تأثير هذه التقنيات على البحث العلمي، مبينا ان التوسع في استخدام تطبيقات التلخيص والترجمة والتحرير اللغوي يفرض تحديات جديدة امام المؤسسات التعليمية التي تسعى للحفاظ على نزاهة مخرجاتها المعرفية.
واضاف العسلي ان هذه الادوات قد تكون وسيلة داعمة للتعلم الذاتي اذا استخدمت بوعي، لكنها تتحول الى بديل غير مشروع عن التفكير الشخصي في حال غياب الضوابط، موضحا ان الكثير من الطلبة باتوا يعتمدون عليها في انجاز واجباتهم دون فهم حقيقي للمحتوى، بينما نجحت قلة منهم في توظيفها لرفع كفاءتهم العلمية.
وبين العسلي انه لا توجد حتى الان معايير قطعية للتمييز بين النص البشري والنص المولد آليا، مشيرا الى ان برامج كشف الذكاء الاصطناعي تعاني من هوامش خطأ كبيرة، مما يدفع الاساتذة للعودة الى مؤشرات التقييم التقليدية كطريقة مناقشة الطالب للمادة والتحقق من مصادره لضمان جديته في التعلم.
وكشفت عضو هيئة التدريس في كلية تكنولوجيا المعلومات بالجامعة الاردنية الدكتورة تهاني الخطيب ان الذكاء الاصطناعي يعتمد على محاكاة العقل عبر معالجة كميات ضخمة من البيانات، موضحة ان الخطر الحقيقي يكمن في تحول هذه التكنولوجيا من وسيلة مساندة الى اداة تغني الطالب عن التفكير والتحليل.
واضافت الخطيب ان الطلبة يستخدمون تطبيقات متنوعة مثل شات جي بي تي وجيمناي وكلاود في تصميم المشاريع وكتابة الاكواد البرمجية، مشددة على ان هذا الاعتماد المفرط قد يضعف المهارات الذهنية للطلبة على المدى الطويل ويجعلهم يفتقرون الى القدرة على الابداع المستقل.
واكدت ان الجامعات الاردنية بدأت بالفعل في تقنين استخدام هذه الادوات عبر تعليمات صارمة تجرم الاعتماد الكلي عليها في الامتحانات والواجبات، معتبرة ذلك غشا اكاديميا يستوجب المساءلة، وذلك استجابة للدراسات التي اظهرت ارتفاع نسب اعتماد الطلبة على الذكاء الاصطناعي بشكل مخيف في السنوات الاخيرة.
واوضحت الخطيب ان ظاهرة هلوسة الذكاء الاصطناعي تعد من اخطر السلبيات، حيث تقدم البرامج معلومات تبدو دقيقة ومقنعة لكنها مختلقة بالكامل، مما يضع مسؤولية التحقق من صحة المراجع والمعلومات على عاتق الطالب الذي يجب ان يدرك ان هذه التقنية لا تملك منظومة اخلاقية تميز بين الصواب والخطأ.
وختم الخبراء بالتأكيد على ان التحدي لا يكمن في وجود التكنولوجيا ذاتها، بل في اتساع الفجوة بين استخدامها وفهم توظيفها، مشيرين الى ضرورة ادراج مساقات تعنى باخلاقيات الذكاء الاصطناعي لتمكين الطلبة من التعامل مع هذه العقول المستعارة دون ان يفقدوا قدرتهم على انتاج المعرفة بانفسهم.







