أوروبا تتجه نحو السيادة الرقمية لمواجهة الهيمنة التكنولوجية الأمريكية

في تحول استراتيجي لافت، يتجه الاتحاد الأوروبي بخطى متسارعة نحو تحقيق ما يُعرف بـ "السيادة الرقمية"، في محاولة لتقليص اعتماده الهائل على التكنولوجيا الأمريكية. فبعد أن كانت المخاوف الأوروبية تتركز بشكل أساسي على الصين، أصبحت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير المتوقعة هي المحرك الأبرز لهذا التوجه.
من الصين إلى أمريكا.. تغير بوصلة القلق
مع تصاعد تهديدات ترامب التجارية والسياسية، أدركت بروكسل حجم المخاطر التي قد تتعرض لها إذا قررت واشنطن استخدام نفوذها التكنولوجي كورقة ضغط. ووفقاً لتقرير صدر عام 2023، يعتمد الاتحاد الأوروبي على دول أجنبية في أكثر من 80% من منتجاته وخدماته وبنيته التحتية الرقمية، وهو ما يعتبره المسؤولون الأوروبيون "نقطة ضعف خطيرة".
وقالت هينا فيركونين، مسؤولة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي، إن العام الماضي عزز إدراك الأوروبيين لأهمية عدم الاعتماد على دولة واحدة أو شركة واحدة في التقنيات الحيوية، محذرة من أن هذا الاعتماد قد يُستغل ضد الاتحاد.
خطوات عملية نحو الاستقلال الرقمي
بدأت دول الاتحاد الأوروبي بالفعل في اتخاذ خطوات ملموسة على الأرض:
- فرنسا: أبلغت موظفيها الحكوميين بقرب اعتماد بدائل محلية لأدوات شائعة مثل "زووم" و"مايكروسوفت تيمز".
- ألمانيا: أصبحت ولاية "شليسفيغ هولشتاين" نموذجاً يُحتذى به بعد أن استبدلت برمجيات "مايكروسوفت" بحلول مفتوحة المصدر، ونجحت في نقل أكثر من 40 ألف صندوق بريد إلكتروني إلى بدائل أوروبية.
- البرلمان الأوروبي: يراجع حالياً اعتماده على أدوات "مايكروسوفت" بعد دعوات من المشرعين لتبني بدائل أوروبية.
وكانت العقوبات التي فرضتها واشنطن على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، والتي حدّت من وصولهم إلى خدمات "أمازون" و"غوغل"، بمثابة جرس إنذار كشف لبروكسل مدى الهيمنة الأمريكية على الأدوات الرقمية الأساسية.
حزمة "السيادة التكنولوجية" ومشاريع مشتركة
من المقرر أن تكشف المفوضية الأوروبية في مارس المقبل عن حزمة شاملة لتعزيز "السيادة التكنولوجية" تشمل مجالات حيوية مثل الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وصناعة الرقائق الإلكترونية.
وتتواصل التحركات على مستوى الدول الأعضاء، حيث اتفقت شركة "ميسترال" الفرنسية مع العملاق الألماني "ساب" على تطوير حل سحابي أوروبي، كما أُطلقت مبادرات لإنشاء بنية تحتية رقمية أوروبية مشتركة، ونظام دفع أوروبي "ويرو" كبديل لـ "فيزا" و"ماستركارد".
استراتيجية بديلة: النفوذ مقابل الانعزال
على الرغم من هذه الجهود، يحذر بعض الخبراء من أن محاولة الانعزال التام قد لا تكون الاستراتيجية الأكثر فعالية. ويرى زاك مايرز، من مركز الأبحاث "CERRE" في بروكسل، أن الهدف يجب أن يكون تعزيز النفوذ الأوروبي.
ويقترح مايرز أن الاستراتيجية الأذكى قد لا تكمن في تقليص استخدام التكنولوجيا الأمريكية داخل أوروبا، بل في زيادة الاستثمار في حلقات سلسلة القيمة التكنولوجية التي تعتمد فيها الولايات المتحدة على أوروبا، مثل معدات تصنيع الرقائق وبرمجيات الشركات، مما يخلق اعتماداً متبادلاً ويمنح أوروبا ورقة ضغط قوية في أي مفاوضات مستقبلية.







